ربما لم يفاجأ المسؤولون السوريون كثيراً باصرار الكونغرس الاميركي مرة جديدة على رفض تثبيت السفير الاميركي المعين منذ أشهر في دمشق وتأخيره. ذلك انهم يعرفون ان الرئيس باراك اوباما لم يخدع سوريا وان نياته الحوارية معها صادقة وان عدم تثبيت السفير الاميركي الجديد لديها يعود الى اعتبارات يتعلق بعضها بصراع جمهوري – ديموقراطي شرس، في حين يتعلق بعضها الآخر بعدم شعبية سوريا في كثير من الدوائر الاميركية. لكن هؤلاء المسؤولين لم يشعروا طبعاً بالارتياح الى استمرار غياب سفير الدولة العظمى عن عاصمتهم، وربما يكونون بدأوا يتخلون عن انطباع يفيد ان تطبيعاً للعلاقات مع اميركا سيتحقق وان احتمالات تحوله لاحقاً تنسيقاً وتعاوناً عميقاً ليست قليلة على الاطلاق. ولا يعني ذلك انهم عادوا الى انطباعاتهم السابقة وهي ان الحرب الباردة المباشرة او غير المباشرة مع اميركا ستعود. إذ ان لا مصلحة في ذلك لأي من الدولتين وخصوصاً بعد التطورات الكثيرة التي حصلت في المنطقة في السنوات الاخيرة والتي لم تكن في مصلحة اميركا. لكنه يعني ان دمشق وواشنطن بعدما توصلتا الى اقتناع بأن التحسن الثابت في العلاقة بينهما القابل للتحول نوعاً من التحالف لا يبدو متوقعاً الآن وفي المستقبل المنظور. واسباب ذلك كثيرة أبرزها اثنان. الأول، ان سوريا تريد من اميركا امرين. اولهما لا تستطيع اميركا ان تعطيها اياه وهو استعادة الجولان المحتل عام 1967 من اسرائيل، ليس لعدم رغبة بل لعدم قدرة على الأقل الآن وفي المستقبل المنظور على ممارسة الضغط اللازم على اسرائيل كي تقرر عملياً انها تريد السلام الفعلي مع جيرانها في الشرق الأوسط. والآخر هو لبنان وقد استعادته سوريا من دون "جميلة اميركا" وربما غصباً عنها. وهي في طور تحصين الاستعادة هذه. كما انها تعرف ان اميركا وفي هذه المرحلة ستجد نفسها مضطرة الى دعم سوريا في لبنان، وان في مقابل شروط غير تعجيزية، وذلك تلافياً لحرب مذهبية بين ابنائه لا بد ان تكون لها انعكاسات سلبية على المنطقة، وتلافياً لتحول لبنان ساحة ايرانية لسوريا وجود مهم فيها. وهذا تطور خطير ومؤذ لاسرائيل ولاميركا ولحلفائها من العرب.
أما السبب الثاني لعدم انتظام علاقة التعاون القابلة للتحول "تحالفاً" بين سوريا واميركا فهو عدم قدرة الاولى على اعطاء الثانية ما تريده منها في هذه المرحلة، وهو التخلي عن "حزب الله" اللبناني. وكذلك التخلي عن حركة "حماس" الفلسطينية. وهو اخيراً التخلي عن ايران الاسلامية التي تمثل منذ عقود ثلاثة التحدي الابرز للغرب ولاميركا والمجتمع الدولي واسرائيل ولحلفاء اميركا من العرب. علماً ان هذا التحدي صار الاخطر بعد تحقيق ايران نجاحات اساسية على صعيد التسلح التقليدي المتطور وعلى صعيد اكتساب التكنولوجيا النووية فضلاً عن انها قد لا تكون بعيدة عن تحقيق نجاحات اخرى في وقت غير بعيد على صعيد التسلح غير التقليدي. انطلاقاً من ذلك كله يعتقد مراقبون للعلاقات الاميركية – السورية من عرب واميركيين ان المسؤولين في كل من دمشق وواشنطن ربما يكونون في مرحلة تنظيم الاختلاف في ما بينهما ريثما يصبحون قادرين على بلوغ مرحلة التفاهم فالتعاون والتنسيق ومن ثم "التحالف". وهذا يعني الاتفاق على معالجة كل قضية مختلف عليها بينهما من دون ربطها بالقضايا الاخرى، والحرص على تجنّب العداء والبحث عن مخارج مشتركة لكل المشكلات التي تعترضهم.
هل من انعكاس مباشر لهذا النوع من العلاقات بين اميركا وسوريا على لبنان؟ يجيب المراقبون الاميركيون المشار اليهم عن هذا السؤال بانهم يعتقدون بوجود نوع من التقاء المصالح في هذه المرحلة بين سوريا بشار الاسد والمملكة العربية السعودية ورئيس حكومة لبنان سعد الحريري. وهو التقاء تشجعه اميركا التي لا تزال سلبيتها حيال ايران ظاهرة من جراء تشددها ورفضها التحاور الهادف مع ادارة اوباما، ولا تمانع في ان يضمن لسوريا دوراً أول في لبنان وخصوصاً اذا اسفرت التطورات الاقليمية عن استئناف للتفاوض بين سوريا واسرائيل. انطلاقاً من ذلك يرى هؤلاء ان سعد الحريري قد يبقى رئيساً للحكومة مدة طويلة.
هل الجواب الاخير هذا واقعي؟ الوقائع لا تشير الى ذلك. ونكتفي بتوضيح هذا الأمر عبر اسئلة فقط تلافياً لتعميق الجروح. أولها، هل الضغط الذي يمارس على الحريري للتخلي عن المحكمة عملياً وعن السلطة الفعلية رغم "احتفاظه" بموقع رئاسة الحكومة وللتسليم خارجياً لسوريا وربما ايران وداخلياً ل"حزب الله" ومن يمثل بكل شيء، هل ان ذلك في مصلحته؟ وثانيها، هل ترى السعودية مصلحة لها في اعادة لبنان الى سوريا المتحالفة مع ايران التي تعتبرها خطراً عليها وفي التخلي عن حلفائها فيه ودعمها اياه للمحافظة على سيادته ونظامه وحريته؟ وثالثها، هل لسوريا مصلحة وبعد استكمال سيطرتها على لبنان من جديد في ابقاء الجهات والشخصيات التي شكلت خطراً أكبر أو التي ستبقى تشكل خطراً كهذا مستقبلاً كلما اتيحت الفرصة لها؟ وهل لها مصلحة في ابقائها في السلطة؟ ورابعها، من يضمن بقاء الحريري رئيساً للحكومة مدة طويلة؟ وهل له مصلحة في ذلك؟ وخامسها، هل لأميركا مصلحة في تحول لبنان قاعدة سوريا – ايرانية أو قاعدة لسوريا المتمسكة بتحالفها مع ايران الرافضة أي تطبيع مع واشنطن؟
النهار




















