ليس مثل القمة العربية الاستثنائية والقمة العربية – الأفريقية في ليبيا ما يكشف عمق الفُوات في حاضر البلدان العربية. وليس في الذهن ما يتكرر في القمم العربية من كلام عن القضية الفلسطينية وكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل. لقد تكرر هذا الأمر على لسان العرب، معتدليهم وممانعيهم وبتنويعات مرحلية، على نحو وصل الى حدود السوريالية. ولم يحل دون هذا التكرار إجماع العرب على مركزية الموضوع وأهميته واستخدامه في كل المناحرات والتحالفات.
لقد ظهر الفوات العربي أيضاً في مسألتين أخريين تتعلق الأولى بالعلاقة مع دول الجوار والأخرى بالقارة الأفريقية. الانقسام ذاته والحمية ذاتها. لكن هذه المرة، انكشفت أيضاً الصورة المضطربة لبلدان المنطقة ولدولها، أمام ذاتها وأمام الآخرين، بعد العقود الطويلة من الاستقلال والتي من المفترض أن يبلغ أصحابها سن الرشد وتحديد معالم طريقهم وتوضيح استراتيجيتهم.
لقد بدا بعض العرب في الحالين يعانون من مشكلتي الدونية والاستعلاء. دونية أمام الجوار الساعي الى إيجاد موضع قدم في العالم الحديث، واستعلاء على الجوار الذي لا يزال يتلمس طريقه وحاجاته. في حين تغيب عن هذه الصورة المصالح الموضوعية وتبادلها، بما يكشف أن هذه المصالح غائبة عن الاستراتيجية العربية أو أنها لا تتعلق بالحاجات الواقعية.
ويظهر واقع علاقة العرب مع تركيا وإيران، وهما الجوار المباشر لهم، التشوه في طبيعتها والتشوه في صورة العرب لذاتهم. إذ أنها تشكل محور خلاف عميق بين البلدان العربية، وتراوح بين الالتحاق وبين القطيعة. وفي الحال الأولى، أي الالتحاق تطغى حاجة العون السياسي والهروب من تحديد ما يمكن أن يجمع مصالح العرب. وفي الثانية، تطغى المواقف والأحكام المسبقة.
وفي العلاقة مع القارة الأفريقية، تطغى النظرة الزبونية نظراً الى حاجات بلدان القارة السمراء. ويبدو صارخاً إحجام العرب عن أي جهد فعلي في مشكلات عربية – أفريقية، خصوصاً في السودان والصومال، والتخلي عن هذا الدور للأفارقة الذين استشعروا الأخطار التي تنطوي على الأحداث في البلدين، العضوين في جامعة الدول العربية.
لم يستطع العرب في اجتماعاتهم الحالية في سرت، سواء في ما بينهم أو مع القادة الأفارقة، أن يحددوا تصوراً لما يمكن أن تكون علاقتهم مع الجوار. وليس أكيداً أن يكونوا فكروا، مجتمعين، في هذه القضية سابقاً. والخشية من أن يكون طرح هذا الموضوع جاء يدفع من المضيف العقيد معمر القذافي الساعي الى دور ما، في ظل نظريته عن «الولايات المتحدة الأفريقية»، وجاء قبول العرب بتداوله من باب المسايرة. وفي ذلك، في حال صحته، انكشاف آخر لحال اللامبالاة في تناول موضوع بمثل هذه الأهمية.
وهذا ينطبق على موضوع تركيا وإيران والعلاقة معهما، والذي طُرح عملياً تلبية لمطالب تستقوي بالهجومين الديبلوماسيين الصادرين من أنقرة وطهران. وجاء قبول تداول هذه المسألة كتسوية بين الخصومة والالتحاق.
بكلام آخر، لم يُطرح موضوع العلاقة مع الجوار نتيجة تحديد للمصالح الخاصة ودراسة موضوعية لكيفية تبادلها الثابت في الإطار الإقليمي، كما هي الحال في كل أنحاء العالم. وانما طُرح نتيجة إلحاح سياسي آني، تتبخر معطياته مع أول تغيير في الوضع. ما يكشف هشاشة صورة العرب أمام أنفسهم وأمام جوارهم الإقليمي.
"الحياة"




















