يتردد في مقالة كتّاب أقرأ لهم، وأتفاءل بهم، مقولات تذهلني، لعدّي إياهم علمانيو التوجّه. آخر ما مر طَرْحُ سؤال عن السبب في عدم وجود مرجعية للطائفة العلوية. وكنت أحسِب أن هذا من حظّهم، فأبناء هذه الطائفة الكريمة، كما استقر في ذهني، من الشيعة اثني عشرية، وهي إيمانياً مرجع “توحيدهم”، إنما هم فرقة منها، لها سماتها الفكرية وخصائصها المحلية والروحانية، على أن مقولاتها ليست على نسق واحد، من هنا يمكن اعتبارها مجموعة من الطرق، كما الصوفية إلى حد كبير إن لم يكن تماماً. ولما كان من المتعذر، نظرياً وعملياً، جمع الصوفيين على سجادة واحدة، فكذلك الأمر بالنسبة للعلويين. وهذه تحسب لهم عند العارفين.
لهذا أقول (من جهتي) هنيئاً لهم بهذا، فما من مرجعية تحدد لهم كيفية إحياء الماضي وإعادة إنتاج مشكلاته وشكلياته، وأحياناً يصل الأمر إلى تهديدهم بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا لم يلتزموا بما تقول مراجعهم (إذ تفترض الجميع… من مريديها ومقلديها) لهم وليس بما يفهمونه، ولو كانوا يحملون أعلى الشهادات، ويؤمنون به، مهما بلغوا من العلم شأواً (إذ تراهم عاجزين عن قراءة وتدّبر عدة أو بضعة كتب في التوحيد والشريعة والفقه). كما جرت رؤية الغضب النازل من السماء في رمضان بسبب مسلسل تلفزيوني:”ما ملكت أيمانكم”، ممن حسب نفسه مرجعية لغير مريديه فطلب لهم النجاة معه هم ومن يتولاه وأولي الأمر (بالضرورة).
لعل هذا الأمر، المذكور آنفاً، بالذات هو الذي سرّع انتشار المدارس وشجع التعليم، الإناث كما الذكور، ففي الأربعينات كانت جبال العلويين “اللاذقية” مستوردة للمعلمين والمدرسين، ولم يلزمها سوى أقل من عقدين لتصبح مصدّرة لهم. فلينظر طالبو المرجعية (الموحدة/ الواحدة) الآن إلى حال المناطق التي مازالت مستوردة للمعلمين، والتي تخال أن لها مرجعية، وخصوصاً نسبة تعليم الإناث التي تنخفض وتزداد انخفاضاً مع الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
في الثلث الثاني من القرن الماضي كان يوجد في المدن مفتيين (حنفي وشافعي) وفي المدن الكبرى ثلاثة أو أربعة، فكان في حمص أيضاً مفتي للحنابلة، وفي دمشق مفتي للمالكية الشيخ مكي الكتاني وهو مغربي الأصل، وكذلك المرجع الشيعي “الكبير بمواقفه” الشيخ محسن الأمين.
ما كان هؤلاء المفتين يقولون للناس افعلوا كذا واتركوا كذا. بل كان يجيبون من يسألهم عن مسألة تخصه، ويرفضون الإجابة عن سؤال يخص شخصاً غير صاحبه. يعني تعطى الإجابة لصاحب المسألة وليس بالوكالة. والأهم أنهم كانوا يتورعون عن قبول ما يمكن أن يخصص لهم من المال العام، لأن العلم يُبْذل. وكتم العلم مفسدة.
بعد فترة الشيشكلي، حيث وُحِّدَ لباس رجال الدين بقانون، تغيّرت الأحوال، ومن ثم غدت دائرة الأوقاف التي تتبع مديرية الأوقاف المرتبطة بمجلس الوزراء، مديرية تتبع وزارة الأوقاف التي أنشئت في سني الوحدة. وغدا المفتين (واحد لكل محافظة ومدينة) موظفين في وزارة الأوقاف، وغدا للمساجد جميعاً مرجعية تحدد لها ما ينبغي. بهذا أصبحت وزارة الأوقاف موئل المرجعية، على هذا هل يمكن اعتبار الفتوى، فتوى حكومية، مادام المفتين يتقاضون راتباً منها.
لا بأس في ذكر أمر حدث في أواخر الثلاثينات، حيث أعدّ قانون للأحوال الشخصية لسوريا ولبنان لجميع الطوائف المسجلة (على غرار القانون اللبناني الحالي). فثارت ثائرة طيبي الذكر الشيخ محسن الأمين والشيخ صالح العلي ولم أعد أذكر مَنْ مِنَ السلميّة، من أننا جميعاً مسلمون ولا داعي للتفريق في الأحوال الشخصية ومحاكمها فالكل يتزوج من الكل. وكان أن غدت المحكمة الشرعية ملاذاً لأبناء الطوائف الأربعة.
وأزيد مأثرة عن الشيخ صالح العلي ذلك الموقف الشجاع بقوله بما معناه: من يُعطى هوية مدوّن عليها المذهب فليرفضها، وليطلب تسجيل الديانة فقط. ومن يقبلها فالملة بريئة منه.
وأزيد أيضاً: أن أصحاب الغبطة البطاركة قالوا للمندوب السامي الفرنسي عندما سألهم: ماذا تريدون أن يكون قانون الإرث…… أجابوه: أبناؤنا يرثون كما إخوانهم المسلمون.
في أيام الانتداب أنشئ عندنا جمعيات أهلية كالميتم الإسلامي والميتم الأرثوذكسي وغيرهما، أما بعد الجلاء فقد أسست لدينا جمعيات مدنية كجمعية البر والخدمات الاجتماعية وجمعية النهضة العربية والمستوصف الغساني وغيرها.
أختم بالقول، النشاط الاجتماعي ليس مرتبطاً، القيام به، بالطائفة، بل بهمة أبناء الطائفة. والسؤال: ترى لو جاء واحد ينتمي بالولادة إلى إحدى الطوائف إلى مؤسسة خيرية تتبع إلى طائفة/ ديانة أخرى فهل تراها ترفض مساعدته؟! ما سمعنا بمثل هذا أبدا.
إذا الجمعيات يؤسسها أبناء الوطن لإخوتهم من أبناء الوطن. ولهذا فهي تدعى مؤسسات المجتمع المدني، مثلها مثل الأحزاب الوطنية. أما إلحاقها بالمجتمع الأهلي فهذا بالذات ما يعنى أنه مجتمع الطوائف، وليس مجتمعاً طائفياً فهذا يدخلنا في حديث السياسة، ولهذا مجال آخر…..




















