أحياناً ما تأخذنا الحيرة ونحن ننظر إلى المنطقة العربية الممتدة جغرافيا على مستوى قارتين، ووجه الحيرة يكمن في قصور الاستفادة من هذا الامتداد الذي ينضح بالثروات بمختلف أنواعها التي قد ترد على الأذهان، بل هي تكاد أن تكون متكاملة في انسيابية تتفق مع خارطة الجغرافيا التي تلف هذه المساحات الممتدة وتجعل منها وحدة واحدة في تنوعها الطبيعي.
وإذا أضفنا إليها تمعنا في الطاقات البشرية والإمكانات الاقتصادية فيمكن بكل سهولة الخروج بملخص مفاده أن هذه البقعة تمتلك نسيجاً واحداً ينبئ بما لا يدع مجالاً للشك أنها قادرة على تحقيق إنجاز عملاق إذا توافرت الظروف التي تنتمي في أساسها إلى إرادات البشر، وامتلاكهم قوة القرار على المضي في اتجاه الاستثمار وفقاً لهذه الرؤية العميقة.
وعندما نعتمد الواقعية بكل ما تحمله من محسوسات مادية ونجعلها ميزاناً في العلاقات بين الدول فإننا لا نبارح هذا المعيار قيد أنملة وفقاً لما يراه البراغماتيون في هذا المجال وحتى لا تذهب العقول إلى تغليب العواطف في زمن المصالح، إذ يظن البعض أن الحديث عن التكامل العربي إنما يدخل في خانة دغدغة المشاعر الأقرب إلى زمن الشعارات الجوفاء التي لا تصلح في زمن الاقتصادات الكبرى والشركات العابرة للقارات، وفي هذا كبير تجنٍّ على فرضية التكامل بين دول المنطقة العربية التي إن سلطنا عليها المعايير المعاصرة لخرجنا بمقاييس مثالية لتحقيق النجاح.
بعيداً عن لغة الحماس وتأجيج المشاعر وقريباً من لغة رأس المال والربحية البحتة يمكن للعرب أن يقفوا على تخوم العمل المشترك وذلك من خلال إعادة النظر في كثير من المشتركات الاستثمارية وإخضاعها للدراسات العلمية المحكمة، وتوفير فرص النجاح لها بمدد من الدعم المادي وحسن التخطيط وجميل الإدارة وتغليب المصالح العامة على ضيق المصالح الخاصة مع تهيئة البيئات بما يتناسب مع حجم التحديات وأفق الطموح.
وكذلك بعيداً عن السياسة والتحسس غير المبرر وبعيداً عن التنظير واجتماعات التوصيات الجوفاء يمكن أن نرى مشاهد من العمل الاقتصادي العربي المشترك، وبمراهنة قدرها التوفيق ونهايتها النجاح.. ومرة أخرى بعيداً عن الأحلام في زمن اليقظة.




















