لم تكن الجريمة التي تسببت بها شركة المياه الاسرائيلية (مكوروت) بسرقة مياه “بركة الرام” في الجولان السوري المحتل الواقعة بين مجدل شمس ومسعدة وضخها الى المستوطنات الاسرائيلية، مسببة نفوق آلاف الأسماك وانبعاث الروائح الكريهة في المنطقة بسبب انخفاض مستوى الماء بشكل كبير جدا في البركة، هي الجريمة الأولى التي تقترفها إسرائيل بحق الأرض والبيئة في الجولان.
ولم تطل هذه الكارثة البيئية الأسماك فقط بل أهل الجولان أيضا بسبب انعكاس ذلك أضرار جسيمة في الإنتاج الزراعي لموطني الجولان بسبب النقص في مياة الري، كما تساقطت كميات كبيرة من التفاح والمنتوجات الأخرى، بما يقدّر بتلف حوالي 50% من إنتاجها.
يعرف مؤتمر استوكهولم البيئة بأنها النظام الفيزيائي والبيولوجي الخارجي الذي يحيا فيه الإنسان والكائنات الحية الأخرى، وهي تمثل أيضاً الحيز الجغرافي والطبيعي والاجتماعي والنفسي المحيط بالإنسان، من هواء وتربة وماء وبشر وكائنات وأشكال أخرى للحياة.
ومؤكد أن للبيئة، بمكوناتها الحية وغير الحية، التأثير الأكبر في نمو وصحة الأفراد والجماعات، وكذلك في سلوكها وعاداتها وطبائعها. وتواجه البيئة اليوم العديد من العوامل التي تلوثها وتدمر محتوياتها، وينعكس ذلك سلباً على الإنسان وحياته في وجوهها المختلفة، كما ينعكس على الكائنات الأخرى، مسبباً الاختلال في التوازن الحيوي.
ويبقى الاحتلال، بأشكاله، أحد العوامل الأكثر تدميراً لبيئة الإنسان واستنفاداً وتخريباً لمصادر الطبيعة وكينونة الإنسان وصيرورة الحياة والوجود برمته، وذلك بسبب قناعة المحتلين بعدم الانتماء للأرض التي يحتلون، فيحاولون استنزافها أقصى ما يستطيعون من قدرات لمعرفتهم بأنهم سيضطرون لتركها والانسحاب منها في يوم من الأيام.
لقد تم سن القوانين ووضع الاتفاقيات الدولية التي وضعت قيوداً صارمة على تخريب البيئة وإلحاق الضرر بها، ومنها ما جاء في اتفاقية لاهاي الثانية في عام 1891، والرابعة في عام 1907، واتفاقية الأمم المتحدة لمواجهة الأخطار البيئية المتنقلة عبر الحدود لعام 1971، إلا أن الواقع الدولي لم يصل بعد إلى مرحلة يعلن فيها عن تشكيل محكمة دولية خاصة لملاحقة من يرتكبون الجرائم ضد البيئة، رغم الدعوات التي تعمّ العالم للحد من التدهور البيئي، ولاتزال البئة تتعرض للتخريب والتلوث رغم جهود الأمم المتحدة ومنظماتها التابعة، فكان هناك برنامج إنمائي للبيئة، وصندوق عالمي للبيئة، ومؤتمرات دولية عقدت لهذه الغاية، في ريودي جانيرو 1992، وكيوتو 1997، وكذلك إعلان الخامس من حزيران كل عام يوماً عالمياً للبيئة التزاماً بحمايتها.
نقول هذا كمدخل للإشارة إلى ما ترتكبه إسرائيل في الأراضي العربية المحتلة، ولا سيما في الجولان المحتل، من جرائم ضد البيئة والأرض والمياه والإنسان.
ونشير هنا الى أن أهم الموارد البيئية في الجولان المحتل تتمثل بالمياه السطحية والجوفية والأراضي والتربة الزراعية، وكذلك الأراضي العمرانية والأراضي الصناعية والأراضي المخصصة للخدمات العامة، وكذلك الثروات الطبيعية الموجودة في باطن الأرض المحتلة وفوق سطحها، وكذلك مناطق التنوع الحيوي، وهي تشمل المحميات الطبيعية، والغابات، والأراضي الصالحة للرعي، وكذلك الغلاف الجوي، والموارد البشرية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى التراث الثقافي والحضاري الذي يشمل الأماكن الأثرية التاريخية والثقافية والسياحية.
لقد عملت إسرائيل، ولاتزال، على سرقة هذه الثروات المائية والطبيعية والاقتصادية وغيرها، وتستمر بانتهاج سياسة تدمير البيئة الطبيعية والاقتصادية والصحية والثقافية والنفسية للمواطنين العرب السوريين الرازحين تحت نير الاحتلال، فقد ارتكبت سلطات الاحتلال أبشع الممارسات بحق تربة الجولان، من تجريف ودفن نفايات وحرق واقتطاع غابات، واقتلاع الآلاف من أشجار التفاح العائدة لمواطني القرى الخمس الذين صادرت أكثر من 30 بالمئة من أراضيهم وممتلكاتهم، وذلك لتوسيع المستوطنات الصهيونية، وأقدمت على تلغيم الأراضي المحيطة بهذه القرى.
وأقامت إسرائيل في الجولان /120/ مزرعة لمستوطناتها واستثماراتها، الأمر الذي تسبب بتدهور خطير لتربة الجولان وموارده الطبيعية، فضلاً عن التلوث الناتج جراء نفايات المستوطنات والكيماويات ومياه الصرف الصحي والعادمة الناتجة عن المعامل والمصانع وتجمعات قوات الاحتلال، والتدريبات والمناورات العسكرية الدورية لهذه القوات، وأكدت تحاليل التربة التي تمت منذ سنوات قليلة احتواءها على كمية من الإشعاعات تزيد عن أكثر من /3/آلاف رونغتن من الإشعاع، وعلى نسب عالية من عناصر معدنية مثل أكاسيد النتروجين والكبريت والنترات والحديد والكوبالت، ومركبات الفوسفور والزنك المستخدمة في الأسمدة، والتي تخل بالنظام البيئي الطبيعي لمنطقة الجولان، إضافة لتلك الناجمة عن النفايات الإسرائيلية التي تنتشر في طول الجولان وعرضه على شكل مكبات مكشوفة من النفايات الصلبة الناتجة عن المستوطنات، والنفايات الطبية والكيماوية المختلفة التي تسبب تقليل نشاط الأوزون الذي يقي من الآثار الضارة للأشعة فوق البنفسجية.
وقد لاحظ مواطنو الجولان عدم وجود أي فصل بين النفايات المنزلية والصناعية، حيث يتم التخلص من النفايات في عشرات المكبات المفتوحة، ما يتسبب بتلوث المياه الجوفية والهواء والتربة، وتقوم سلطات الاحتلال وفقاً لشهود عيان بتجميع النفايات وحرقها بجوار المستوطنات.
وتشير التقارير والدراسات إلى أن الدفن البطيء للنفايات الإسرائيلية، النووية والكيماوية والصناعية، في أرض الجولان، يفقد تربتها الخصبة قدرتها، ويخفض نشاطها الطبيعي وإنتاجها، في الوقت الذي لم تترك إسرائيل فيه أي نوع من المبيدات الحشرية والأكسدة والكيماويات إلا واستخدمته، ما تسبب بتسمم التربة.. لقد حولت إسرائيل أرض الجولان إلى سلة مهملات لنفاياتها السامة وللفضلات الناتجة عن مخلفات الصناعات الكيماوية من مطاط وأدوية وأصباغ ومتفجرات.
وعلى سبيل المثال تعاني زراعة التفاح في الجولان مشاكل عديدة بسبب محاولة سلطات الاحتلال القضاء على هذه الزراعة التي تشكل /30٪/ من دخل السكان، فقد قامت سلطات الاحتلال باستقدام المستوطنين إلى المنطقة، ووزعت عليهم الأرض، ومدتهم بالمياه والمعدات، وقدمت لهم المنح المالية ليزرعوا الأرض بالتفاح، لمنافسة إنتاج مواطني الجولان جودة وسعراً، وقد جعلت هذه التحديات سكان المنطقة يفكرون جدياً في كيفية حماية مصدر دخلهم الرئيسي هذا، فقاموا بإنشاء/7/ مخازن مبردة عامة تستوعب حوالي /26/ ألف طن من التفاح سنوياً لحماية محصولهم من تدني الأسعار في الأسواق، ورغم وفرة مياه الجولان، إلا أن سرقة إسرائيل لهذه المياه أدى الى نقص الكميات المخصصة لمواطني الجولان وبالتالي إلى تفاقم المشاكل التي تواجه زراعة التفاحيات لديهم. إذ تقوم سلطات الاحتلال بمصادرة موارد المياه وأهمها مياه بركة مسعدة، حيث تقوم بضخ مياهها إلى المستوطنات الصهيونية، كما تمنع سلطات الاحتلال المزارعين العرب السوريين من حفر الآبار والسدود، وتستخدم أيضاً أسمدة ومواد كيماوية مختلفة لتنمية زراعة التفاح لدى المستوطنين وبشكل عشوائي وغير منظم، وخاصة الميثيل بروميد.
وقد سبق لمنظمة «غرين بيس» لحماية البيئة أن أعلنت ومنذ سنوات أن إسرائيل مسؤولة لوحدها عما مقداره /3٪/ من ثقب الأوزون، وتعتبر أيضاً المنتج والمصدر الأكبر عالمياً للميثيل بروميد الذي تستخدمه في مزارع الجولان رغم إدراكها لخطورة الأثر الضار للمبيدات والأسمدة الكيماوية بطبقة الأوزون، فالميثيل بروميد يدمر طبقة السترات وسفيرك أوزون، إلا أن إسرائيل لا تزال متمسكة بتصنيع واستخدام الميثيل بروميد كأحد أكبر مصادر الدخل لديها.
ولما كانت الزراعة مصدر دخل أساسياً لجميع سكان الجولان في عام 1967، فقد عمدت سلطات الاحتلال إلى تدمير هذه البنية الاقتصادية بدءاً بمصادرة المياه ومصادرة الأراضي.
من جهة أخرى، قررت وبعد كثير من التكتم والتعتيم إحدى شركات تعبئة المياه المعدنية الإسرائيلية (مي عيدن) التي تسرق مياه الجولان، وقف إنتاجها حتى إشعار آخر، معللة السبب بوجود جراثيم في أنابيب الإنتاج وذلك حسب فحوصات صحية ومخبرية أجرتها الشركة. ولم يكن هذا نوعاً من النزاهة لدى الشركة الإسرائيلية، ولاهو تلوث جرثومي في الأنابيب، بل هو وحسب مصادر إسرائيلية ناجم عن تلوث مياه «رأس النبع» من عين السلوقية في وسط الجولان المحتل التي تقوم الشركة الإسرائيلية بنهب مياهها، بفعل الارتكابات الإسرائيلية السابقة.
وفي سياق الجرائم الإسرائيلية نشير إلى عملية إشعال الحرائق المتعمدة في أراضي المزارعين السوريين واقتلاع أشجارهم المنظم، ففي عام 2002، قامت سلطات الاحتلال بحرق عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية السورية في الجولان قرب قرية مجدل شمس، حيث أتت الحرائق على مساحات كبيرة من المراعي في المنطقة، ونقل عن شهود عيان حينها قولهم: إن وحدات تابعة لجيش الاحتلال هي التي أشعلت النيران في الحقول السورية الخضراء على سفوح جبل الشيخ قرب مجدل شمس، وإن عربات عسكرية إسرائيلية قامت بإطلاق قنابل حارقة باتجاه البساتين والحقول، ما أدى إلى اشتعالها وتحولها خلال ساعات إلى رماد. ويقوم جيش الاحتلال الإسرائيلي سنوياً بصورة متعمدة بحرق منطقة «السكرة» لمنع نمو النباتات والأشجار فيها، ويضاف إلى مصادر تخريب التربة هذه عشرات من حقول الألغام المميتة التي زرعتها قوات الاحتلال في طول الجولان وعرضه لتشكل مصدر قلق، وهاجساً آخر لمواطني الجولان، حيث كلفهم هذا الإجراء التعسفي والوحشي الكثيرمن شبابهم وأطفالهم وأهلهم، فضلاً عن عشرات القطعان ورؤوس الأبقار.
كما تعمد إسرائيل إلى دفن النفايات السامة والمشعة في قرى الجولان ضاربة عرض الحائط بكل القوانين والأعراف الدولية، فقد سبق لأهل مجدل شمس أن كشفوا قبل سنوات عن قيام إسرائيل بدفن نفايات كيميائية سامة في بلدة مجدل شمس السورية المحتلة، وطالبوا جميع الهيئات الإنسانية والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان والأمم المتحدة والجامعة العربية، التدخل لوقف الممارسات الإسرائيلية اللاإنسانية ضد المواطنين في الجولان، ووضع حد لهذه الجرائم.
كما سبق أن نشرت معلومات مهمة تؤكد قيام إسرائيل بتلغيم هضبة الجولان بقنابل نيترونية، وكانت صحيفة الصنداي تايمز البريطانية قد نشرت في 27/آذار عام 2000 مقالاً عنوانه: خطة إسرائيلية لنشر درع نووي، تحدث المقال عن أن الحكومة الإسرائيلية -آنذاك- قد خططت لنشر ألغام نيترونية في أراضي الجولان المحتل، تتألف من مواد انفجار مخفضة نووياً صممت للقتل بالإشعاع الشديد.
هذه الجرائم الإسرائيلية ضد الأرض والبيئة والإنسان في الجولان تؤكد أن المحتلين يدركون تماماً أن وجودهم في الجولان عرضي وطارىء، وأن مصيره الزوال.
مهند معروف صالح
“البعث”




















