فوجئ وزراء “المعارضة” كثيراً عندما طالب اثنان منهم يمثلان حركة “أمل” في احدى الجلسات الاخيرة لمجلس الوزراء بمناقشة موضوع شهود الزور رغم عدم وروده في جدول اعمالها، وهددا بالانسحاب من الجلسة في حال عدم الاستجابة لهما وبمقاطعة سائر جلسات المجلس. وشعر وزراء رئيس الجمهورية و”اللقاء الديموقراطي” بالقلق عندما سمعوا طرح الوزيرين، ذلك ان التجاوب معه كان سيوفر عليهم اتخاذ موقف محدد وخصوصاً اذا انتهت المناقشة الى لا توافق وتالياً الى تصويت. واتخاذ المواقف ليس سهلاً عليهم او بالاحرى على من يمثلون في الحكومة، ولا سيما في ظل اصرار رئاسة الجمهورية على “السير بين النقاط” كما يقال بين المعارضة والموالاة، وبين الجهات الاقليمية والدولية التي تدعمها، وفي ظل تمسكها بالتوافق لأنه اولاً يجنّب البلاد ازمة سياسية خطيرة وربما ازمة غير سياسية اشد خطورة. ولأنه ثانياً يفرض على رئاسة الجمهورية اتخاذ موقف من الموضوع الخطير اي شهود الزور الامر الذي يجعله فريقاً في النزاع الدائر ويفقده صفة الحَكَم التي يفضلها ويبدو مرتاحاً اليها. كما ان اتخاذ المواقف ليس سهلاً على رئيس “اللقاء الديموقراطي” الزعيم الدرزي الابرز رغم اعتياده، الى التنقل والتحول، اتخاذ اكثر المواقف حدّة اذا دعت الضرورة الى ذلك او المصلحة. اذ انه لا يزال، رغم التغيير السياسي الراديكالي في موقفه من الصراع الداخلي الدائر وخلفياته الاقليمية والدولية، يحاول ان يبقى على علاقة صداقة وتعاون مع “تيار المستقبل” وزعيمه الرئيس سعد الحريري، وعلى علاقة صداقة مماثلة مع العربية السعودية حليفة الاخير. طبعاً تبدد شعور المفاجأة سريعاً عند وزراء المعارضة بعد الاتصالات الهاتفية التي اجروها بمرجعياتهم السياسية والحزبية اثناء جلسة مجلس الوزراء، وبعد المشاورات التي شملت افرقاء المعارضة وحلفاءهم الاقليميين بعد الجلسة. ذلك انها اوضحت لهم ان الوقت حان لبدء محاولة حسم موضوع شهود الزور، والانطلاق منه لحسم سائر القضايا المتعلقة بـ”المحكمة الخاصة بلبنان” وفي مقدمها القرار الظني او الاتهامي الذي يُشتبه في انه سيوجه اصابع الاتهام الى عدد من اعضاء “حزب الله”. وتبدد معه شعور القلق عند وزراء الرئيس سليمان والزعيم جنبلاط. لكن هذا لم يكن نهائياً ولا يزال غير نهائي، ذلك ان القرار التوافقي داخل مجلس الوزراء على تسوية لموضوع شهود الزور يرضي الفريقين المتصارعين، وذلك امر ممكن، لا بد ان يدفع المجلس الى اتخاذ قرار بالتصويت عليه. وفي حال كهذه فان اقرار الطرح الذي يتبناه فريق 8 آذار او رفضه يتوقف في صورة اساسية على تصويت وزراء الرئيس والزعيم، فاذا كانت الغالبية المطلوبة لاقرار الطرح هي النصف زائد واحداً سيحتاج وزراء 8 آذار الى وزراء النائب جنبلاط الثلاثة والى ثلاثة من وزراء الرئيس سليمان، واذا كانت الغالبية المطلوبة هي الثلثين سيحتاج فريق 8 آذار الى عشرة وزراء، ومجموع وزراء الرئيس والزعيم لا يتجاوز الثمانية. وبذلك يسقط الطرح، وربما تسقط معه الحكومة، او تنفتح الآفاق على تطورات سلبية وسيناريوات عنفية ينذر بها كثيرون ليل نهار.
هل هناك إمكان لأن يزول القلق، ليس قلق الرئيس والزعيم او “”البك” على اهميتهما، بل قلق الناس وخوفهم الذي ضاعفته يومياً مواقف قادتهم والزعماء وعجزهم عن التفاهم واضطرارهم الى اللجوء الى الخارج للمساعدة مع علمهم ان اي مساعدة من هذا الخارج على تنوعه لا يمكن الا ان تكون مشروعة او مرفقة بألف قيد وقيد؟
تأكيد “الوسطاء” المحليين بين فريقي 8 آذار و14 منه وحلفائهم الخارجيين على ان جلسة اليوم، التي يفترض ان يناقش فيها مجلس الوزراء موضوع شهود الزور وربما ان يبتها لن تشهد تصويتاً، يفيد ان العمل سيكون للتوصل الى توافق. واذا تعذر فلا بد من تجنب التصويت ريثما تؤتي المساعي الاقليمية وفي مقدمها تواصل “السين – سين” ثمارها. وهذا يعني ان قرار الحسم الذي كان اتخذه البعض في حال إحجام فريق 14 آذار الحكومي والسياسي عن التجاوب او الاستمرار في التنازل لا يزال مرجأ التنفيذ ولكن ليس لأجل غير مسمى. لكن اللافت في الامر ان مناقشات الاسابيع الماضية التي عكستها تسريبات معينة في وسائل الاعلام كانت تشير الى ان المطلوب من الرئيس الحريري مجموعة مواقف من مجلس الوزراء تتعلق بشهود الزور وبتمويل “المحكمة” وبـ”اميركيتها” و”اسرائيليتها” قبل صدور القرار الظني الدولي المتوقع على ما يقول كثيرون في كانون الأول المقبل. اما التسريبات التي نشرها بعض وسائل الاعلام امس فقد اشارت الى ان المطلوب من الحريري مواقف قبل صدور القرار الظني ومواقف اخرى بعد صدوره، وهي الأهم. هل يعني ذلك ان المساعي السورية – السعودية لم تصل الى نتيجة نهائية؟ او ان الحريري ليس مستعداً للتنازل غير المحدود، وقبل معرفة المقابل، والحصول على ضمانات له؟ طبعاً لا احد يملك اجوبة عن ذلك. لكن هناك تساؤل عند البعض هو: ماذا اذا فاجأ المدعي العام الدولي دانيال بلمار الجميع بقراره الظني في وقت قريب اي قبل كانون الأول؟ وهذا امر قد يُقدِم عليه اولاً لأنه عنيد ورجل قانون ويرفض الخضوع لأي ضغط او ابتزاز سياسِيَين من اي جهة كانت. علماً ان هناك عاملاً واحداً قد يفرض عليه تأخير اصدار القرار وهو ادراكه كرجل قانون ان الحيثيات التي يتضمنها ليست قوية كفاية وكافية لتوجيه اتهام الى احد او لبناء قضية صلبة. وعلما ايضا ان تأخير القرار الظني الى السنة المقبلة، كما يشيع البعض، يفقده الكثير من الزخم وربما يفسح في المجال امام اقامة امر واقع في لبنان غير ملائم بتاتاً للمحكمة ولكل ما يتعلق بها.
sarkis.naoum@annahar.com.lb




















