بات مهما، بل مصيريا أن يتمسّك الفلسطينيون بثبات وحتى النهاية بموقفهم من الاستيطان الذي يلتهم بيوتهم وأرضهم في القدس والضفة الغربية. هذا الموقف هو حجر الزاوية الذي يسند أية رؤية وطنية، ويجعلها قابلة للحياة، ولأن تكون أداة توحيد لواقع فلسطيني مشتت بل متشرذم كما لم يسبق له أن كان من قبل.
مع أهمية ذلك نرى من الضرورة القصوى الإشارة لشكل آخر لغول الاستيطان أصبح في الشهور الأخيرة أداة تدمير للحياة الفلسطينية، وهو اعتداءات المستوطنين اليومية على قرى الضفة الغربية وإحراق أشجار الزيتون، وفي حالات أخرى إحراقها بعد سرقة محصولها الذي تنتظره عائلات طيلة شهور السنة.
هي مذبحة الشجرة الأهم في حياة الفلسطينيين بالمعنيين الرمزي والاقتصادي المعيشي، والتي عاشت معهم وعاشوا معها من قبل ميلاد السيد المسيح، وكانت بزيتونها وزيتها عماد تغذيتهم، ورافدا من روافد صناعاتهم .
هل هي مجرّد اعتداءات همجية يقوم بها متطرّفون؟
أعتقد أن ما يقوم به المستوطنون يوميا في مزارع قرى الضفة الغربية يتجاوز هذا التبسيط الساذج والخادع معا، فتكرار الاعتداءات، وتتابعها في صورة يومية يوضح بجلاء أنها جزء لا يتجزأ من مخطط الاستيطان الكريه ذاته، فهي تسهم بقسطها في ترويع المواطنين الفلسطينيين، والأهم في إفقارهم، وفي دفعهم للاقتناع بلا جدوى التمسّك بأرضهم بعد أن تصبح غير مجدية وبلا فائدة اقتصادية تعينهم على العيش في وطنهم.
هي حال تدفعنا للمطالبة بربط هذه الاعتداءات الهمجية بالاستيطان ذاته، وعلى نحو يجعل وقفها ووضع حدّ لها شرطا أيضا لاستئناف المفاوضات التي نؤمن أساسا أنها عبثية وغير مجدية، كي لا تكون المفاوضات غطاء لحرب ضارية ومفتوحة تشنها الدولة الإسرائيلية بحكومتها وجيشها ومستوطنيها كلٌ حسب موقعه وأساليب عمل.
واضح لكل من يرى ويسمع أن حكومة الاستيطان والتطرف الإسرائيلية وهي تتحدث عن المفاوضات والسلام تعيد الصراع كلّه للمربع الأول الذي انطلقت منه الصهيونية: الاستيلاء على الأرض والتخلُص بأية وسيلة من سكانها.
هنا بالذات يتوجب على الفلسطينيين قيادة وقوى سياسية أن تنطلق من رؤية واضحة لكيفية المواجهة محليّا في الضفة الغربية، وعربيا أيضا وفي الساحة الدولية، كي يمكن الحفاظ على أمل النهوض الجدّي للعودة للإمساك بزمام المبادرة .
“المستقبل”




















