منذ الثورة الفرنسية وحتى أيار 1968 عرفت فرنسا بأنها البلد الأكثر تقدماً في أوروبا في تلقّف رياح التغيير. وما يجري فيها اليوم يعيد الى الاذهان تقاليد المعارضة الديموقراطية التي لطالما جسّدتها الى حد انه اليوم بات هناك سؤال على كل الألسنة: هل ما يجري في شوارعها مجرّد اعتراض على قانون تقاعد أو هو بدايات عصيان مدني؟
وصل ساركوزي الى الحكم منذ ثلاثة أعوام من خلال تحالف ناجح جداً جمع أقصى اليمين واليمين التقليدي ويمين الوسط تمّ تتويجه باحتفال ليلي للرئيس الجديد في أرقى مطاعم باريس: “الفوكتس”. وظهر يومها ساركوزي كأنه أكيد بأنه سيتم تجديد ولايته في 2012 دون أي اشكال. لذا استطاع طرح مقولة القطع مع اليمين الخجول، أي يمين جاك شيراك، لطرح يمين أكثر صراحة وصلابة والتحاقاً بالقوة السياسية العظمى للرأسمالية: الولايات المتحدة الاميركية.
هذا كان صلب البرنامج الذي سمح له بالحكم أقل من سنتين حتى الازمة المالية العالمية. من خلال هذه الازمة جرت مساءلة برنامج ساركوزي من قبل قطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي. فبعد الازمة أصبح من الصعب القبول ببرنامج “حكم الاثرياء” ولم يستطع إذذاك حكم ساركوزي طرح بدائل مقنعة.
لقد بدأت المعارضة لساركوزي ولمشروع قانون التقاعد تتصاعد تدريجاً على أربع مراحل:
المرحلة الاولى هي الاضرابات ليوم واحد والتظاهرات ليوم واحد التي جمعت بحدها الادنى مليون شخص في 280 بلدة ومدينة وبحدها الاقصى ثلاثة ملايين شخص.
المرحلة الثانية هي دخول الشباب الى حلبة الصراع مع تظاهرات سرعان ما تلاحقت وتطوّرت الى صدامات.
المرحلة الثالثة هي دخول المخزون الاستراتيجي لنقابات العمال حلبة الصراع الا وهي نقابات النقل وتكرير الوقود وتوزيعه.
والمرحلة الرابعة هي رد الحكم بالحزم تجاه هذه الاضرابات.
فحوى الصراع يدور حول نظرتين: نظرة الحكومة التي تقول بأنه من الضروري تأخير سن التقاعد لصيانة ميزانية دفع التعويضات، ونظرة النقابات التي تقول ان هذا الاجراء غير عادل إذ يتحمّل وزره العمال بنسبة 90 في المئة فيما لا تتحمل الشركات سوى 10 في المئة. وان هذا الاجراء لن يحل المشكلة إذ ان عجز ميزانية التقاعد سيبقى كبيراً وسيؤدي الى فرض تنازلات جديدة على الشرائح الأضعف في المجتمع مستقبلاً. نضيف الى ذلك وجهات نظر متداخلة. فالشباب يشيرون الى بطالتهم المزمنة والى ان هذه الاجراءات ستزيدها، فيما يتدخل الاقتصاديون بالقول ان الحكومة مضطرة الى اظهار حزمها كي لا تتعرض الى تصنيف أدنى مستوى من مؤسسات الرقابة المالية العالمية.
تسعى الحكومة الفرنسية اذاً الى اعطاء صورة مقبولة للاسواق المالية العالمية، وهذه أجندتها الخفية، وتسعى النقابات الى الحفاظ على العقد الاجتماعي الذي أسسه المجلس الوطني للمقاومة عام 1944 من هرطقات جديدة، وهذه ايضاً أجندتها الخفية. لذا فإن سعي حكم ساركوزي بالظهور بمظهر الحزم، اضطراراً، لا يلقى من قبل الشارع، واذا من قبل النقابات سوى الشك بما هو آتٍ مما يفسر فقدان الثقة بين الطرفين. وإذ تستقوي الحكومة بشرعية القرارات البرلمانية تستقوي النقابات بشرعية الشارع وبالرأي العام الذي يؤيدها ضد الحكم بنسبة تزيد عن 75 في المئة في كل استطلاعات الرأي.
ومن المسائل التي تزيد التعقيد قضية المهن التي يمكن وصفها بالصعبة والمتعبة، فمسألة الـpénibilité ما زالت عالقة بين الطرفين اللذين لم يتوصلا الى توافق حولها. فالنقابات تقول انه لا يمكن معاملة العمال ذوي المهن الصعبة مثل الآخرين فيما تقول الحكومة انها أخذت هذه الواقعة في الاعتبار. والوضع مماثل بالنسبة للنساء حيث كان القانون القديم يأخذ في الاعتبار السنوات التي تأتي بعد ولادة الاطفال في حين ان القانون الجديد يحدّ من هذه المكاسب وان كانت الحكومة تقول هنا ايضاً انها اعتنت بما يكفي بوضع النساء.
لكن تحليل سيرورة الأزمة لا بد ان يلفت انتباهنا الى ظاهرة مهمة ما زالت خافية على المراقب الخارجي، وهي مسألة تساقط النخب بسرعة هائلة في المجتمع الفرنسي.
فما كان معروفاً حتى الآن عن تراجع دور المعلمين والتعليم في المجتمع الفرنسي، تلاه تساقط القيمة المعطاة للجسم الطبي بعد حملة التلقيح ضد الانفلونزا العام الماضي التي كلفت الملايين دون فائدة غير دعم المختبرات، أو تساقط النخب الكنسية من خلال الفضائح المتكررة، معظمها خارج فرنسا لكنها اصابت الكنيسة في أوروبا.
ومنذ الازمة المالية تسارع تساقط أجزاء أخرى من النخب، أولها النخب المالية من خلال فضيحة بتانكور مالكة شركات المساحيق التجميلية، والتي عرف عنها انها تتهرّب من الضريبة أو فضيحة مصرف سوسيتيه جنرال الذي خسر ما يقارب الخمسة مليارات أورو من خلال مضاربات مالية غير مضبوطة سرعان ما تم استرجاع ثلثها بحسم ضرائبي من الخزينة.
والتساقط المدوي الآخر هو تساقط النخب السياسية التي لساركوزي الدور الأكبر فيها. فإحدى سياسات ساركوزي هي في عدم تجديد نصف المتقاعدين عن العمل في قطاعات الدولة وفرض سياسات حسابية في ادارة خدمات الدولة أدت الى اضعاف خدمات الشرطة والاستشفاء والتعليم والى خلخلة جهاز الدولة الذي تعرّض لهجمات اعلامية من اليمين الحاكم والى ضغوطات مالية كبيرة من خلال سياسات التقشف. ولربما كان لهذه السياسة وقع أقل لو ان النخب السياسية فرضت على نفسها التقشف في تقليل مرتّبات الوزراء والنواب والمصروفات الملحقة الا ان ذلك لم يكن ابداً وارداً.
وما ساهم في تساقط النخب السياسية اداء ساركوزي نفسه الذي أراد أن تكون رئاسته اقل فخامة من المفهوم الديغولي للرئاسة، فسرعان ما ظهر مخاطباً مواطنين عاديين بلغة بذيئة حتى انقلبت الكرة عليه وخاطبوه باللغة ذاتها. أما الخطأ الأكبر لساركوزي، عندما شعر انه يفقد السيطرة على الشارع وعلى مخزونه للاصوات لسنة 2012، فهو التحاقه بسياسات اليمين المتطرف سواء في إعادة نسج مفهوم المواطنية والربط بين الاخلال بالأمن والهجرة الى فرنسا وفي الضواحي، وأخيراً وليس آخراً سياسة ملاحقة الغجر التي كان لها رد الفعل السلبي لدى المحافل الدولية والاوروبية والكنسية ومنها البابوية، الى حد ان أحد الكهنة تمنى علناً موته لشدة شعوره بالاجحاف. وهذه الهفوة الاخيرة أفقدته الوسط الكاثوليكي زيادة عن اعادة التماسك لليسار.
لكن تساقط النخب لم يتوقف عند هذا الحد، بل يظهر اليوم كأنه عنوان عام للاحداث، فمنذ بضعة اسابيع تسارعت الهجمات على النخب الاعلامية مثلاً لانحيازها وسوء نقلها للموضوعات. فكأن المنظر الاجتماعي اصبح خالياً من المعالم التي تعطي المعنى للمجتمع وللسياسة. بالتأكيد ان هذا المنظر فيه شيء من التطرف لكنه يذكرنا بما كان يقال قبيل الثورة الفرنسية عن الملكة ماري انطوانيت التي حمّلها الشعب مسؤولية جميع آفات المجتمع والنظام السياسي فاصبحت رمزاً لنظام سرعان ما تساقط. هل يعني ذلك ان ساركوزي سيسقط اليوم او في 2012؟
لا يزال عند ساركوزي بعض الامكانات يمكن ان يلعب بها. انه اولاً يأمل جدياً ان يكسر الواقع الجديد وان يعيد المضربين والمتظاهرين الى بيت الطاعة فيظهر كأنه البطل الجديد للاسواق المالية ولليمين المتطرف. كما يستطيع ان يتلاعب مرة اخرى بالوضع الامني سواء من خلال تجديد حرب الضواحي او بالمزايدة على الخطر الارهابي لإعادة يمين الوسط الى صفوف الساركوزية.
لكنه يواجه اليوم ثلاثة نجوم صاعدة، لم تُصبح بعد بدائل عنه، لكنها عوائق جدية له حتى لو لم تكن معروفة جيداً حتى الآن.
النجم الاول مارين لوبين ابنة جان ماري لوبين زعيم اليمين المتطرف في فرنسا الذي احال نفسه على التقاعد لمصلحة ابنته. والاخيرة لها صورة مقبولة اكثر لدى الفرنسيين، وبالرغم من معارضتها العلنية لساركوزي فهي تعتقد ان سياسات الاخير تصب لمصلحتها وانها ستقطف ثمرة عربدته. حتى ان بعض اوساط ساركوزي تتكلم عنها بأنها مشروع وزيرة مقبول. فمن يأكل الآخر الذئب ام الذئبة؟
النجم الثاني يتألّق في حقل اليمين الكلاسيكي وهو وريث الشيراكية دومينيك دو فيلبان رئيس الوزراء السابق الذي كان ساركوزي قد حاول محوه من الوجود السياسي بطمره بملاحقات قانونية. اليوم، اصبح دوفيلبان يمثّل نقطة تلاق بين قطاعين لم يكن ابداً من الوارد تلاقيهما: الاول هو قدامى اجهزة الدولة، كما يمكن ان نقول في لبنان قدامى الشهابية، والثاني هو ابناء الضواحي الذين تجمعوا حوله بأعداد غير قليلة. فعندما يزور ساركوزي الضواحي يذهب عادة خلسة ودون اشعار، فيما دو فيلبان يلقى الترحيب إثر الترحيب. الاكيد ان دوفيلبان كبر بالرغم من ساركوزي بل بفضل الحرب القضائية التي شنها ساركوزي عليه، الى حد انه اصبح مصدر ازعاج كبير من داخل اليمين الذي يطالب قبل كل شيء بالهدوء والنظام وهو ما يسميه دوفيلبان دولة القانون والاتزان. ولا شك في ان دوفيلبان هو النقيض الاكثر خطراً على ساركوزي، حتى على صعيد الشكل والتصرف الشخصي. فله هالة لن يستطيع ابداً ساركوزي التحلي بها، لكن دوفيلبان ما زال بعيداً
عن لعب دور الرئاسة حتى لو لبس لبوسها.
النجم الصاعد الثالث هو السيناتور اليساري والوزير الاشتراكي السابق جان لوك ميلانشان الذي ظهر بقوة كرديف يساري للشعبوية. فان كانت مارين لوبين تجيد التكلم على شاشات التلفزيون ودومينيك دو فيلبان يبرز في قدرته على تطويع اللغة الفرنسية وصناعة الخطابات، واشهرها خطابه في الامم المتحدة ابان حرب العراق، فان ميلانشان يكاد يجيد جميع انواع الخطابات والمداخلات الاعلامية. وطرحه بسيط: هو مع الفقراء ضد الاغنياء، مع الشعب ضد النخب، هو مع العدد ضد الاقلية التي تعربد عند قمة الدولة. فها هو يجمع قسماً من اقصى اليسار وحتى قسماً من الحزب الاشتراكي ويعيد الى الاذهان الخطابات “العمالية” التي كانت اساس الحياة السياسية في الستينات والسبعينات. وها هو يساهم في حلّ معضلة اساسية لليسار: كيف يتم استرجاع الاصوات العمالية التي “ضلّلها” اليمين المتطرّف؟ لكن ميزته تبقى انه مع الاحتكام الى الاقتراع الديموقراطي، فها هو ايضاً عثرة على طريق ساركوزي. في احدى المناظرات حيث قوبل بتهديد هجرة الاثرياء ان زادت الضرائب على الملأ، قال: “ليرحّلوا”، وفي
اليوم التالي امتلأت الجدران بالعبارة ذاتها.
الظواهر الجديدة في فرنسا لا تقتصر على بروز هذه الشخصيات، فهناك ظهور لنقابات جديدة مثل نقابة “الجنوب” SUD التي تزداد اعدادها بسبب مواقفها المعارضة دائماً. او انقلاب فئات من الشرطة والقضاء وتململها من الحكم. او اعادة توحيد اليسار الاشتراكي الى حد مقبول جداً. او حتى اعادة تمركز احزاب الوسط السياسي خارج دائرة الساركوزية.
الا ان السؤال الاساسي يبقى كيف تستعيد فرنسا حركة النمو الانتاجي؟ بل كيف تستعيد اوروبا هذه الحركة في حين ان النمو في الصين او الهند او البرازيل يصل الى اضعاف النمو الاوروبي بخمس بل بعشر مرات؟ هذا هو الحل الفعلي لمسألة ميزانية التقاعد. ولا يبدو ايّ من الاطراف، لا فرنسياً ولا اوروبياً، قادراً على الاجابة.
( باحث في علم الاجتماع – استاذ في مدرسة الهندسة في باريس (Paris – La Seine) – مهتم بمسائل المتغيرات الاجتماعية في مدن الشرق الاوسط.)
“النهار”




















