لا يحصل وعي ذاتي، أو وعي بالذات، إلاّ في علاقة بآخر يحدد تلك الذات أو يدفعها الى التعرّف على نفسها (على ذاتيتها) من طريق اكتشاف غيريتها واختلافها. ليست الذات معطى قبلياً، وماهية ثابتة، إنها من صناعة التاريخ، وهي من جدل الأضداد تنشأ. ولا يحصل وعي بالذات لمجرد أن آخرها يقوم الى جانبها، وإنما هو يحصل كلما سلك ذلك الآخر نحوها سلوكاً أنتج في وعيها إدراكاً بالتميّز والتمايز؛ وهو إدراك الغالب عليه أن يكون دفاعياً في مبتدأ أمره، لأن الخوف من الآخر يفرض عليه أن يكون كذلك، ولأن هذا الآخر يُبدي من الأفعال ما يُشعر هذه الذات بالخوف على نفسها من الابتلاع والمحو.
هذه المقولة، ذات الأصل الهيغلي، تصدق أكثر ما تصدق على علاقة العرب بالأتراك في العهد العثماني المتأخّر؛ فلقد شهدت تلك العلاقة منذ مطالع القرن العشرين صُوراً غير مألوفة من التوتر والاضطراب نجمت من تحوّلات سياسية طرأت على السلطة وأدائها السياسي في الآستانة، خصوصاً تجاه الولايات العربية للدولة العثمانية والسلطات اللامركزية والنخب فيها. فكان أن قادت هذه التطورات الجديدة وقد بدأت في عهد السلطان عبدالحميد وتفاقمت في عهد الاتحاديين الى ردود فعل عربية متتالية انتقلت سريعاً من المطالبة بإصلاح أحوال السلطنة وإقرار اللامركزية الإدارية والمساواة بين شعوب الإمبراطورية الى المطالبة بالانفصال. لسنا هنا في معرض التأريخ لهذه التحولات وما أفضت إليه من نتائج، وليس هذا موضوعنا، ولكن الإشارة الى بعض الأسباب الدافعة نحو حال التوتر والاضطراب فالقطيعة ضرورية لفهم ما جرى. وتكفينا الإشارة الى بعض منها:
أولها ما بدأ يطرأ على نظرة السلطنة الى رعاياها من تغيّر منذ نهايات القرن التاسع عشر؛ ذلك أنه بعد عهد مديد من التسامح والتعايش والاندماج بين الجماعة الكبرى الحاكمة في الدولة (التُرك) وسواها من الجماعات والأقوام الأخرى الشريكة في الكيان، بدأت تُطلّ نزعات وسياسات جديدة تميل الى تظهير محتوى قومي (طوراني) للدولة، وانطلق في أعقابها ما أصبح يُعرف بسياسات التتريك التي ألحقت أبلغ الضرر بالجماعات الأخرى، خصوصاً الجماعة العربية. ولقد نفهم أن هذا التحوّل في سياسات تركيا العثمانية ناجم من صعود تيار قومي طوراني فيها بتأثير من انتشار الأفكار القومية الحديثة في أوروبا مثّله “الاتحاد والترقّي”. ولذلك ما كان مستغرباً أن التتريك، وإن بدأت نُذُره في عهد السلطان عبدالحميد الثاني، لم يكن سياسة رسمية للدولة العثمانية في ذلك الحين، وهو ما أصبح كذلك إلاّ بعد عام 1908.
لسنا نبرّر الانفصال حين نقول إن أفكار المساواة العربية التركية واللامركزية الإدارية وشعاراتها التي رفعتها النخب العربية، في ذلك الحين، لكن خطر سياسة التتريك، والتي تطلعت الى إنصاف حقوق المهضومة حقوقهم من دون تعريض كيان الدولة للانفراط، لم تعد أفكاراً مجدية تفتح أفقاً، ولم تعد تملك أن تؤجّل الى أمد آخر فكرة الانفصال القومي كخيار تحرّري دُفع إليه عرب المشرق كرد دفاعي مشروع على سياسات الهضم القومي. لقد كانت الفكرة القومية العربية بهذا الاعتبار سليلة الفكرة القومية التركية ونقيض لها بعد أن عجز الجامع الإسلامي (العثماني) عن الاستمرار جامعاً توحيدياً أو مشتركاً؛ كان الآخر القومي (التركي) هو ما استنفر نقيضه وأنتجه (الأنا القومية العربية).
وثانيها ما كان من غفلة وقلّة حساب لدى بعض القيادات العربية ممّن استُدرج الى فخّ استعماري فحالف بريطانيا ضد تركيا، في الحرب العالمية الأولى، أملاً في نصرة مطلبه بإقامة دولة عربية. وبقدر ما بدا مطلب الاستقلال القومي مشروعاً في وجه فكرة طورانية متطرفة وسياسة تتريك مستفزّة، داخله بعض شوبٍ والتباس عندما أسندته السياسة الاستعمارية، فبدا كما لو أنه أتى في ركابها أو خرج الى الوجود بإيحاء منها.
ومع أن ذلك الالتباس ما كان له أن يُسقط عن مطلب الاستقلال القومي مشروعيته، إلاّ أنه أخذ ذلك المطلب فعلياً نحو لحظة الانفصال فقط؛ أما الاستقلال، فظلّ بعيد المدى والمنال.
هذا كان، بإيجاز مقصود، سياق انهيار العلاقة العربية التركية وأيلولتها الى انفصال. لكن الذي يعنينا منها، في الموضوع الذي نحن فيه، هو ما كانته هذه اللحظة بالنسبة الى الفكرة القومية العربية في أوائل القرن العشرين الماضي. فلقد شكلت الرحم التاريخية التي منها خرجت الفكرة تلك قبل أن تنمو مديداً في أحشائها، وكانت سياسات التتريك والمدّ القومي الطوراني ما وفّر لميلادها الأسباب على ما نحن إليه أشرنا قبلاً وما تناولته دراسات عديدة عنيت بتحليل السياقات التاريخية التي تبلور فيها الوعي القومي العربي.
على أن الفكر القومية العربية في ذلك الحين، بين بداية القرن ونهاية عشرينياته، إنما شهدت لحظة أولى من لحظات التكوين ولم تتبلور كاملة وناجزة على نحو شامل؛ وهذا شأن كل فكرة في طور الإنشاء. فقد كان عليها أن تمرّ، ابتداء من هاجس ثقافي واجتماعي مشدود الى حاجة موضوعية شديدة الإلحاح هي إقامة الدليل من اللغة والثقافة والتاريخ على تمايز العرب كجماعة عن غيرهم من الجماعات المتداخلة معها في الكينونة السياسية، وخاصة من تلك المشتركة معها في الدين، وقد تحصّل من هذا الهاجس معطيان:
أولهما: ميلاد اشكاليات جديدة في الوعي العربي الحديث والمعاصر غير مألوفة في تاريخ الفكر العربي، مثل الهوية والعروبة والأمة، واتساع نطاق التأليف فيها من لدن فئة من المثقفين سيبدأ تعيينها، منذ ذلك الحين، باسم القوميين. لعل الأمانة التاريخية تقضي بواجب التنبيه الى ان بعض هذه الموضوعات شهد وجوهاً من العناية به” ولو في صور منها ابتدائية، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر – وقبل ان يتبلور تيار قومي عربي – ومن ذلك موضوع العروبة والانتماء العربي والفرق بينه والانتماء الديني، على نحو ما نقرأ في بعض كتابات جمال الدين الأفغاني. كما ان في جملة تلك العناية ما وقع من اهتمام بالغ الدلالة باللغة العربية، من قبيل كثير من النهضويين، مقرون بالسعي في تطويرها واخراجها من الجمود، واحياء جمالياتها، وفتحها على التجدد والاغتناء من طريق الترجمة وانتاج المفردات والاصطلاحات الجديدة.
ولعل ما فعله بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وابراهيم اليازجي وأديب اسحق وآخرون معاصرون لهم أو لاحقون (جبران خليل جبران) المثال الجلي لذلك الاهتمام بلسان الأمة. غير ان اهتمام المثقفين القوميين باللغة والهوية والعروبة اختلف من زاوية جنوحه للتنظير من جهة، ولبيان الأصول التي تتأسس عليها شرعية المطالب القومية الجديدة وفي قائمتها مطلب الاستقلال لقومي للأمة العربية من جهة أخرى، كان جنوحاً نحو بناء ايديولوجيا سياسية أكثر مما كان انتاجاً ثقافياً يضعه الكتاب والأدباء على جدول أعمالهم.
وثانيهما: التبلور الحثيث لمعنى حديث لمفهوم الأمة في الوعي القومي العربي غير معناها التقليدي الموروث عن الحقبة العربية ـ الاسلامية الكلاسيكية. فالرابطة التي كانت تشدد الجماعات الى بعضها، في تاريخ الاسلام، وتصنع منها أمة بالمعنى الروحي (الأمة الاسلامية أو المسلمة)، اخلت مكانها في هذا الوعي الجديد الناشئ لرابطة أخرى مادّتها من اللغة والثقافة والتاريخ، اي لرابطة تكونت بها الأمم الحديثة على نحو ما بدا أمرها للنخب الفكرية القومية لحظتئذ. وهكذا حل مفهوم العروبة محل غيره من المفاهيم مدماكاً عليه يقوم صرح الأمة الجديدة: الأمة العربية.
لحظة التتريك، اذن، هي لحظة التدشين والانشاء للفكرة القومية الجديدة في الوعي العربي. ولأن المثقفين الذين خاضوا المعركة، في ذلك الحين، ضد سياسات التتريك كان أفق نضالهم التأسيس لشرعية الاستقلال القومي (العربي)، فقد كان من الطبيعي ان ينصرفوا الى ذلك التأسيس من طريق اقامة الحجة على وجود هوية متنقلة تمثلها العروبة.
“المستقبل”




















