على غير ما اعتدناه من المسؤولين السوريين فقد تراجع النائب الاقتصادي السيد عبد الله الدردري عن تصريح أدلى به في حلب خلال آب الماضي، ومفاده أن الاقتصاد السوري سيكون الأقوى في منطقة الشرق الأوسط بحلول 2015 !
لا بل أن السيد الدردري أضاف أن “هذا الكلام غير معقول”، وأن الكلام الذي يصدر عن الحكومة لا يمكن أن يكون في الهواء، بل هو كلام له سند من الواقع.
وتجاهل السيد الدردري أن التصريح الذي نفاه، قد نقلته عنه أولا الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون مبرزة، في موقعها الرسمي، ما يصفه اليوم بأنه “كلام غير معقول”.
غير أن السوريين لم يستغربوا التصريح كما لم يستغربوا تراجع النائب الاقتصادي عنه، ففي جعبتهم، لهذه السنة على وجه الخصوص، العديد من التصريحات التي لا سند لها في الواقع السوري اليوم.
فمن تصريح السيد وزير الزراعة عادل سفر حول “تخفيض المساحات المزروعة بالقطن لصالح زراعة الرز”، مضيفا أن لسورية تجارب رائدة في زراعة الرز، في خضم موسم الجفاف، وذلك في اجتماع ثنائي مع وزير الزراعة اللبناني و بحضور مدير المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة “أكساد”. وتبشير السيد وزير الزراعة ذاته للسوريين أوائل هذا العام باستيراد سورية لجميع المنتجات الزراعية سنة 2025، إلى تصريح السيد وزير الإعلام لمناسبة اليوم العالمي للصحافة بأن “الحرية الإعلامية مضمونة في سورية” ، وصولاً إلى التصريح الأخير للسيد وزير المالية محمد الحسين حول كون زيادة فرص العمل أفضل من زيادة الرواتب، وسط تصريحات متضاربة من الحكومة ذاتها، سواء حول وجود زيادة في الرواتب، أو وجود بطالة مقنعة!
وإذا كان وزراؤنا يصدقون تصريحاتهم المنشورة على صدر الصفحات الأولى في الجرائد السورية الحكومية والخاصة، فنحن نعذرهم، لأنك إن بقيت تكذب مدة تصل حتى عشرات السنوات فلابد أن تصدّق نفسك، إن لم يصدّقك الناس.!
ولاشك بأن هذا الإصرار الجبار والمتواصل من قبل ممثلي الحكومة السورية على الكذب، فيما يخص شؤون المواطنين، نابع من فكرة رسخت لديهم بمرور الوقت وأصبحت قناعة كما يبدو، وهي أن السوريين أناس ذوو قدرات فكرية وذهنية محدودة، وبأن هؤلاء المسؤولين الذين يمتازون بفنيات بلاغية استثنائية، سرعان ما سيستطيعون السيطرة على عقل الناس وإقناعهم بجميع ما يقولونه عبرما يشبه التتنويم المغناطيسي اللغوي، وفي هذه الفكرة مطب المسؤولين السوريين الكبير.
فيكفي أن يقلب أي منهم الجريدة، قارئا الصفحة الأخيرة منها، حتى تطالعه الصحف بأخبار عن مواطنين سوريين مبدعين وذوي خبرات نادرة، فمن سوري ينال جائزة دولية في بحث علمي له، وسوري يضحي مخترعا عالميا، إلى سوري ينال جائزة أدبية شهيرة.
لكن المسؤولين يبقون على الصفحة الأولى، فيما تبقى الأخيرة للمواطنين، هنا مبدعون وهناك مبدعون أيضا.
الفرق أن مسؤولينا يبدعون داخل أسوارالوطن، فيما لا يبدع السوريون إلا خارجها، ذلك أن فنون الإبداع كلها تحلّق في سماء الحرية، إلا الكذب والفساد فيحتاج إلى وسط مغلق يتكاثر فيه.
23/10/2010
هيئة التحرير




















