لم يكن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يتوقع ان يلاقي مشروع الحكومة التي يرأسها صديقه فرنسوا فيون لرفع سن التقاعد حركة اعتراضية متصاعدة دعت اليها النقابات، او على الاقل كان يفترض ان بإمكانه استيعاب هذا الاعتراض ومنع البلاد من الانجرار الى فوضى عامة.
وكان واضحا ان المعارضة الفرنسية وعلى رأسها الحزب الاشتراكي حاولت الاستفادة من تصاعد الحركة الاحتجاجية النقابية لاعادة ترتيب وتعبئة جماهيرها، وذلك قبل عام ونصف من استحقاق الانتخابات الرئاسية المقبلة، 2012.
ولاشك في ان حركة الاحتجاج النقابي والاعتراض الشعبي الفرنسي على سياسة ساركوزي، لم تأتِ من فراغ، إنما جاءت نتيجة للفشل الذريع للسياسة الاجتماعية والاقتصادية لحكومة يمين الوسط برئاسة فيون، ونتيجة لعدم قدرة الحكومة على مواجهة الازمة المالية العالمية التي ارخت بظلالها على الداخل الفرنسي وتسببت انعكاساتها بأضرار على الطبقات المتوسطة والفقيرة. وتطرح الحركة الاحتجاجية للنقابات المدعومة من المعارضة واليسار الفرنسي اسئلة كبرى حول ارتباطها بالانتخابات الرئاسية المقبلة. وهو ما يشير الى احتدام الصراع الداخلي تحت عناوين اجتماعية اقتصادية تتصل بالملفات السياسية الكبرى وفي مقدمها استحقاق الانتخابات الرئاسية.
والواقع ان الاحتجاج الشعبي الفرنسي ضد مشروع حكومة فيون لرفع سن التقاعد يرتبط بالصراع السياسي القائم بين تيارين سياسيين في فرنسا، اي بين اليمين واليسار، على الرغم ان الصراع على المستوى الايديولوجي لم يعد له مكان في الخريطة، انما يتم استحضار بعض عناوينه من مدخل الحركة الاعتراضية الشعبية.
ويحاول الرئيس ساركوزي في مواجهته النقابات استعادة المبادرة بالهجوم على قوى اليسار، وذلك بتوجيه الاتهامات الى الحكم الاشتراكي لفرنسا برئاسة فرنسوا ميتران (1981-1995)، وهو العهد الذي حققت فيه النقابات مكاسب عمالية وانجازات، من بينها خفض سن التقاعد من 65 سنة الى 60 سنة، ويعتبر ساركوزي ان منح النقابات هذا المكسب اثر سلبا على الاقتصاد الفرنسي.
ويسعى ساركوزي بضغطه لإقرار المشروع نقل المعركة من الشارع الى عناوين اخرى، وبالتالي سحب البساط من تحت النقابات وتفريغ تحركها، عبر اعادة تعبئة جمهور اليمين في اتجاهات سياسية اخرى. ويظهر كلامه السياسي واضحا بتصويبه نحو الحزب الاشتراكي وتصعيد الصراع معه، وذلك لاستعادة المبادرة بتجميع قوى اليمين السياسي التي تعتبر ركيزة اساسية للسلطة التي يمثلها، ويتمحور هذا الهجوم حول نقطتين:
1-محاولة نقض المكاسب الاجتماعية لقوى اليسار وجمهورها التي تحققت خلال حكم الرئيس ميتران، وخصوصا سن التقاعد، والـ 35 ساعة عمل خلال الاسبوع، اي مشروع مارتين او بري، ما يدفع اليمين التقليدي للالتفاف مجددا عليه واسقاطه.
2-اعادة استحضار ملف طرد الغجر من فرنسا الى موطنهم الاصلي في رومانيا، وهو امر يرضي اليمين المتطرف.
وشكّل التحرك الاجتماعي والاعتراضي، وما رافقه من فوضى، انطباعات لدى الرأي العام الاوروبي والعالمي حول الوضع الفرنسي عموما. وقد بدأ يعتقد هذا الرأي العام بأن الحالة الاقتصادية والاجتماعية لفرنسا قد احدثت شللا لخامس اكبر اقتصاد في العالم. وهو ما اشار اليه التلفزيون الاسباني في احدى نشراته الاخبارية من ان فرنسا قد تلقت “ضربة قاضية”.
ولعل الحراك السياسي الهجومي للرئيس ساركوزي بهدف اعادة تموضعه، لم يستطع الى اليوم تحقيق اي تقدم سياسي على المستوى الداخلي ولا على الصعيد الدولي. فساركوزي لا يزال يجر اذيال الخيبة داخليا، والتجربة التي حاولها في بداية حكمه من خلال تنويع وتطعيم حكومته بإدخال عدد من الشخصيات السياسية اليسارية السابقة وتسليمها ملفات داخلية وخارجية معقدة قد باءت بالفشل، ولم يتمكن من احداث ثغر كبيرة في تجمع المعارضة ولا اعادة جمع اليمين. وكان لافتا انه لم يتمكن من القيام بمبادرة للم شمل العائلة الديغولية او الالتفاف على جماعة الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك داخل العائلة السياسية، واستقطابها نحوه…
في المقابل، اظهرت استطلاعات الرأي وأكدت ان سياسة الرئيس ساركوزي تعرضت لانتكاسات كبرى، وهي الى تراجع نتيجة للعوامل الداخلية والخارجية مجتمعة والتي لم تصب في مصلحته. ونتيجة للفشل الفرنسي في الديبلوماسية، وفي التعاطي مع الملفات الدولية، حيث ظهر ان الدور الفرنسي اصبح هامشيا ولا دور اساسيا له.
وجاءت استطلاعات الرأي الفرنسية لتشير الى انه في حالة اجراء انتخابات رئاسية اليوم، ستكون النتائج كما يلي:
دومينيك شتراوس كان، وهو مدير صندوق النقد الدولي (الحزب الاشتراكي): 59 في المئة في مقابل 41 في المئة لساركوزي.
مارتين اوبري (الامينة العامة للحزب الاشتراكي):53 في المئة في مقابل 47 في المئة لساركوزي.
وفي المقابل يمكن الرئيس الفرنسي بحسب استطلاع الرأي ان يفوز في حالة واحدة اذا نافسته سيغولين رويال (المرشحة السابقة) فيحقق عند ذلك ساركوزي انتصارا ب 51 في المئة ورويال 49 في المئة.
وعلى وقع الازمة السياسية الراهنة فإن فرنسا تتجه الى تغيير حكومي لا محالة خلال الفترة المقبلة. وذلك في محاولة ساركوزية لامتصاص النقمة الشعبية، واستيعاب حركة الاحتجاج المتصاعدة التي يستفيد منها اليسار، ومنع توجيه الصدمة السياسية الى حكومته التي رعاها من خلال صديقه فرنسوا فيون.
اما الاسماء المطروحة لخلافة فيون فهي:
1-وزيرة العدل ميشال اليوت – ماري وهي من جناح التجمع من اجل الجمهورية.
2-وزير الشؤون الاجتماعية جان لوي بورلو وهو من الوسط في حزب الاتحاد من اجل حركة شعبية.
ويبدو ان هناك محاولة ساركوزية للالتفاف على فريق جاك شيراك تتمثل بتقريب وجهات النظر بين عدد من الاطراف وذلك بتوزير رئيس الحكومة الاسبق ورئيس بلدية مدينة بوردو ألان جوبيه على رأس الديبلوماسية الفرنسية بدلا من برنارد كوشنير. وهناك حديث عن احتمال منحه رئاسة الحكومة…
لكن الواضح في الختام، ان الاصطفاف الفرنسي الحالي في معركة النقابات، والصراع بين اليمين واليسار وان لم يكونا على عناوين ايديولوجية، يشيران الى ان معركة الرئاسة قد بدأت وفتحت على مصراعيها. فمن خلال الاحداث السياسية الراهنة داخليا في فرنسا وفي الملفات الخارجية ستظهر ملفات جديدة، وعناصر تدخل حلبة الصراع، وربما في خلط الاوراق قبل فتح صناديق الاقتراع. ولذلك يعمل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على دفع ملف الامن ومعه ملف الهجرة الى الواجهة باعتبارها ملفات مربحة له، فيما يسعى اليسار إلى اسقاط ساركوزي بالملف الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي الذي يقلق الى الآن الفرنسيين.
(استاذ جامعي – رئيس جمعية خريجي المعاهد الفرنسية)
“النهار”




















