يقول عبد الله القصيمي في مؤلفه الأخير "العرب ظاهرة صوتية" "أما النقد عندنا أي لو وجد فلا يعني إرادة التخطي أو القدرة عليه أي على التخطي أو دفع تكاليفه و إنما يعني التلذذ بالجهر به" , هكذا هي المظاهرات اليوم في العالم العربي , إنها عمل "تطهري" يقوم على الصراخ , على اجترار و تكرار ما نعرفه جيدا , ما نخشاه و نشعر بعجزنا عن تغييره , بمجرد أن تتحول شحنة الغضب الطارئ إلى صراخ في الهواء , ينتهي كل شيء و يعود الجميع إلى سيرتهم الأولى , تطأطئ الرؤوس من جديد و تصمت الشفاه و تعود الرتابة الآلية لقهر كل يوم , لقد انتهى الحفل , يتحدى الليبراليون العرب الجماهير التي تقع أكثر فأكثر تحت سطوة الشعاراتية الأصولية الإسلامية و ينتقمون من رفضها السلبي الضمني لراياتهم البيضاء بقذائف طائرات و دبابات باراك , يشتمون ابن تيمية و يمجدون إلهه – الجنرال , الزعيم , شيخ القبيلة , جنكيز خان أو قائد الغزاة , فتحديدا جنكيز خان هو بديلهم المقترح عن خالد بن الوليد أو صلاح الدين الذي أصبح لا يتقن إلا الهزيمة , هذا ما يقومون به بالتحديد , إنهم يواجهون مشروع الأصوليين عن صلاح الدين أو عن ابن وليد جديد و لكن ليس الموقف الأصولي من الحقيقة أبدا , فبوش و باراك لا يقلون أصولية عن ابن لادن , لكن أصولية جنكيز خان , كعنفه القاتل , لا يراه هؤلاء , إنهم يشتمون الأصوليين و يمجدون , في نفس الوقت , استهتارهم بالبشر , بل و يتلذذون بالتبشير بعدمية وجود هذه الملايين , أنتم لا شيء , لولا جورج بوش لبقيتم عبيدا طوال حياتكم , أي باختصار كونوا عبيدا جيدين لسادتكم القدامى الجدد , بوش و من ثم أولمرت و باراك , و لأنهم بالكاد يقنعون أنفسهم فإن الناس اليوم و هي ترى المشهد المضمخ بالدم المكرر للمرة المليون تصبح أكثر أصولية في أيام معدودات مما تمكنت فتاوى القوى الأصولية من إنجازه في سنين بل في عقود طويلة , إنهم يضيقون , أكثر من الأصوليين , بأي خروج على السائد , سائد جنكيز خان و عماله على الأمصار , و يشجعون عملية رجمه الجماعي , هذه العملية التي تجري أساسا لصالح المنطق السائد من الأخلاق و السلطة , لكنها عملية خبيثة تشرك ضحايا السائد في رجم الضحية الذي تجرأ على التمرد ليقتلوا هم بأيديهم هذه الضحية , ليقتلوا هم بأيديهم بذور الحنق على السائد و أي أجنة للثورة داخلهم , في كلا الموقفين , هناك إصرار على السائد إما السلطوي أو الشعبوي الساذج , إصرار على مرجعية فوق البشر , فوق الناس , هكذا يجري تأليه السذاجة و التخلف و الخنوع , "ألسنا نرى و نعلن أن كل شيء قوي و ذكي و ماكر يقع في العالم بل في هذا الكون إنما هو تدبير و تخطيط و إخراج و مكر يهودي ؟ ألسنا نرى أن الله لم يتخلق بالغضب و لم يخلق الجحيم إلا لأن اليهود قد خلقوا ؟ "( العرب ظاهرة صوتية , ص 14 ) , انظر إلى ذات الكلام المكرر في كل مرة تمارس فيها قوة غاشمة كإسرائيل أخيرا و قبلها أمريكا بوش ما تشاء من الموت و القتل و التجويع , ذات الكلام عن القمم العربية العاجزة التي تجمع مجموعة من الطغاة المصابين بالباركنسون أو برهاب إسرائيل و أمريكا , أو عن الجيوش العربية المعدة أساسا لقمعنا و لتنظيم عملية رجم لأي خارج على السائد , هذا التماهي بالمعتدي بالطاغية العاجز أمام إسرائيل و أمريكا , بالجنرال الذي يمارس القتل و القمع تجاهنا , يمثل ظاهرة عقلية غريبة تصر على التمسك بمصدر القهر الأساسي بل و الوحيد و تستطيع خلق أوهام لا تنتهي رغم أنف الواقع عن هؤلاء الطغاة , هذه الأوهام التي يريد الليبراليون الجدد إيقاظنا منها لنعلن استسلامنا لذات الطغاة من جديد , ذات الغباء الذي يعاد اجتراره مرة تلو أخرى , من هنا نستمر في التفرج على الهزائم , بل إن واقعنا , الذي نحاول تغطيته بصراخنا الساذج , ليس إلا هزيمة في كل شيء , "و قد تحولنا بذلك إلى شماتة و نشوة لئيمة لكل الشامتين و المعادين و الساخرين و المتلذذين بعار و هوان و افتضاح الآخرين" ( العرب ظاهرة صوتية , ص 27 ) , يبقى للغضب دور آخر , كامن أو محتمل , مغيب أو منسي , لكنه ممكن , "إن النقد القاسي الصحيح لعيوب الذات و ضعفها ليست قيمته في أنه نقد و لكن في أنه رؤية شجاعة و صدق و رغبة في الانتقال إلى الأفضل و تطلع إلى ذلك و شوق إليه" ( القصيمي – العرب ظاهرة صوتية ص 23 ) .




















