رنده حيدر
تحولت العملية العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة الى امتحان كبير لإسرائيل على اكثر من صعيد. فعلى الصعيد العسكري لم تعد العملية هي محاولة لتغيير الواقع السائد في غزة بالقوة وتقويض سلطة حركة "حماس" العسكرية والسياسية على القطاع، وانما باتت أهم اختبار عسكري جديد لقدرات الجيش على تحقيق الحسم بعد عملية اعادة البناء والإعداد التي خضع لها في أعقاب حرب تموز عام 2006. أما على الصعيد السياسي الداخلي فيبدو أنها المحاولة الأخيرة لحزب "كاديما" ولحزب "العمل" بزعامة وزير الدفاع ايهود باراك لإستعادة ثقة الجمهور الاسرائيلي الذي سيذهب الى صناديق الإقتراع بعد نحو شهر من الآن.
وفي الواقع المواجهة العسكرية الدائرة اليوم في غزة هي ايضاً أهم اختبار تخوضه حركة "حماس" في صراعها مع اسرائيل. واذا كانت عمليات القصف الجوي الإسرائيلية المركزة استطاعت حتى الآن تدمير جزء كبير من البنى التحتية لسلطة "حماس" حاصدة ثمناً دموياً هائلاً من حياة المدنيين في غزة، فإن هذه العمليات لم تستطع القضاء على القوة العسكرية للحركة بدليل استمرار قصفها الصاروخي للأراضي الإسرائيلية حتى اليوم الرابع للعملية العسكرية. وتشير التقارير الاسرائيلية أن اهم الاسباب التي تؤخر العملية البرية على القطاع هو الدخول في مواجهة وجهاً لوجه مع مقاتلي الحركة قد يدفع الجيش الاسرائيلي ثمناً باهظاً لها من حياة جنوده.
فالأرجح أن الحركة ما زالت تحتفظ بقدر من قوتها لمثل هذه المواجهة وهي مستعدة لخوض حرب عصابات ضارية ضد القوات الإسرائيلية على الطريقة التي خاض بها مقاتلو "حزب الله" مواجهاتهم ضد الجنود الإسرائيليين صيف 2006 عبر نصب الكمائن وزرع العبوات الناسفة واستخدام الصواريخ المضادة للدروع. من هنا يمكن القول إن المعركة العسكرية الفعلية لم تبدأ بعد رغم الثمن المخيف الذي دفعه الفلسطينيون حتى الآن من حياتهم. وبالتالي فأي وقف للنار في هذه المرحلة سيكون موقتاً لإلتقاط الأنفاس ومراجعة كل طرف لحساباته. وعلى الأرض الطرفان في مأزق؛ فحركة "حماس" تعلم جيداً ان نتائج هذه المواجهة العسكرية ستحدد مصيرها العسكري والسياسي على حد سواء؛ أما اسرائيل فتعلم أنه ستكون لهذه النتائج انعكاساتها الدراماتيكية على قدرتها على الردع المتضررة منذ حرب تموز وعلى مستقبل العملية السلمية مع الفلسطينيين والعرب وعلى المستقبل السياسي لحكام اسرائيل اليوم.
تطرح العملية العسكرية في غزة من جديد على اسرائيل مشكلة أساسية هي كيفية استخدام القوة العسكرية في خدمة اهداف سياسية قابلة للتحقيق. فالكل اليوم منشغل في بلورة ما بعد الحرب على غزة. وهنا تتعدد السيناريوات بتعدد الأطراف. فالجيش الاسرائيلي يدعم عملية برية في غزة تحقق حسماً عسكرياً لا لبس فيه ولا تترك لـ"حماس" مجالاً للحديث عن أي " انتصار الهي". ولكن السبيل لتحقيق ذلك غير واضح هل يكون عبر الاحتلال الكامل للقطاع مع ما يستتبع ذلك من الوقوع مجدداً في "فخ غزة"، أم يكون فقط بالسيطرة على محور فيلادلفي المتاخم للمستوطنات الاسرائيلية والذي تستخدمه المنظمات الفلسطينية لتهريب السلاح الى القطاع، هذا مع العلم أن عودة السيطرة الاسرائيلية على فيلادلفي لا يحل مشكلة صواريخ القسام؟
وزير الدفاع ايهود باراك يؤيد توظيف الضربات الجوية لتضييق الخناق على "حماس" وحملها على القبول بالشروط الاسرائيلية الجديدة للعودة الى تهدئة شاملة وغير محدودة زمنياً. لكن عيوب هذا الطرح أنه لا يحل مشكلة أساسية في نظر الاسرائيليين هي استغلال الحركة لـ"التهدئة" من أجل اعادة بناء قوتها العسكرية وتهديد اسرائيل من جديد. هناك أيضاً وجهة نظر وزيرة الخارجية تسيبي ليفني القائلة بضرورة استكمال الضغط العسكري على "حماس" والمضي قدماً بالعملية البرية من أجل التوصل في ما بعد الى وقف نار شامل بوساطة دولية على شاكلة وقف النار الذي جرى التوصل اليه مع "حزب الله" صيف 2006.
ما تشهده غزة اليوم ليس مجرد عملية عسكرية اسرائيلية وحشية جديدة، وانما هي محاولة لخلق معادلات عسكرية وحقائق سياسية جديدة على الأرض قد تغير وجه الصراع الفلسطيني مع اسرائيل.




















