في الوقت الذي انتهى فيه العام الماضي 2008 وهو مخضب بدماء الأبرياء الفلسطينيين في قطاع غزة المحتل، والذين تسعى الآلة العسكرية المتوحشة إلى الفتك بهم في عدوان بربري متواصل تحترق في نيرانه كل القيم والمبادئ الأخلاقية والقانونية في التعامل بين الشعوب، فإن الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي عقد أمس في مقر جامعة الدول العربية في القاهرة يأتي في وقت بالغ الأهمية والشدة أيضا بالنسبة للعرب على امتداد المنطقة.
ليس فقط لأنهم يعلقون عليه أهمية كبيرة في التوصل إلى اتفاق أو توافق حول سبل التعامل مع العدوان الغاشم على غزة والتعاون مع كل القوى الدولية لوقفه فورا، ولكن أيضا لأنه من المأمول أن يكون اجتماع وزراء الخارجية العرب في ظل المناخ السائد بداية لالتقاء وتوافق عربي واسع تكون فيه كل الأطراف العربية على مستوى التحدي الذي تفرضه التطورات في المنطقة من ناحية، والحاجة العربية الماسة إلى استجماع كل القوى العربية من ناحية ثانية .
وإذا كانت القمة التاسعة والعشرون لقادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي عقدت في مسقط قد شكلت إضافة جديدة لتماسك دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ليس فقط على صعيد التكامل بينها في المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية وغيرها، ولكن أيضا على صعيد المواقف السياسية والرؤية المشتركة لمختلف القضايا الخليجية والعربية، فإن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كانت وستظل دوما قوة خير وتقارب ودعم لكل ما من شأنه أن يسهم في تحقيق مزيد من التقارب بين الأشقاء ويعزز تضامنهم ويزيد قوتهم في مواجهة كل ما قد يتعرضون له من خطوب .
وفي هذا الإطار فإنه من المهم والضروري أن تستفيد الدول العربية بوجه عام والاخوة الفلسطينيون بوجه خاص من الدروس المأساوية للعام المنصرم 2008 ، والذي شهد تراجعا حادا وانحدارا ملموسا في العلاقات ومستويات التعامل بين الأشقاء، وعلى نحو أعاد إلى الأذهان فترات عربية صعبة وحرجة، ندعو الله إلا تعود والا تنزلق إليها الدول العربية مرة أخرى، لأنها ستزيد ببساطة من خسارتها على كل المستويات .
ان خبرة العلاقات والعمل العربي المشترك على امتداد أكثر من ستين عاما مضت تشير بوضوح إلى أن الخلافات والشقاق بين الأشقاء هو اقصر الطرق لخسارتها، على كل المستويات، وبالنسبة لكل القضايا أيضا، بما فيها القضية الفلسطينية .
ولذا فإنه من المهم والضروري أن تنصب الجهود على العمل لاستعادة الوحدة الفلسطينية وتجاوز الشرخ والانقسام العميق بين فتح وحماس من ناحية والارتفاع عن الخلافات وحالات التنابذ بين الأشقاء على امتداد المنطقة من ناحية ثانية كمدخل لتقوية الموقفين العربي والفلسطيني، وهو أمر بات أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.
جدير بالذكر أن الجهود والتحركات والمساعي العربية الرامية إلى وقف العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، ودفع المجتمع الدولي للقيام بمسؤولياته ستكون أكثر قوة وتأثيرا إذا لمست كل الأطراف الاقليمية والدولية أن الدول العربية جادة في العمل على استعادة تماسكها وتجاوز خلافاتها، سواء على الصعيد الفلسطيني، أو على الصعيد العربي العام. أما إذا لمس الآخرون أي نوع من التقاعس أو المناورة او اتساع الخلافات – لأي سبب – فإن ذلك سينعكس سلبا بالتأكيد على العرب وعلى كل التطورات الجارية وما يتعرضون اليه من ضغوط وتحديات .
وفي ضوء ذلك فإنه من المأمول أن تتمخض اجتماعات وزراء الخارجية العرب عن قرارات ايجابية ومفيدة ومؤثرة، تكون قادرة على التعامل الفعال لوقف العدوان الإسرائيلي على غزة والدفع بالموقف العربي نحو مستوى أفضل من العلاقات والتعاون والعمل المشترك حتى يكون العام الجديد أفضل، على الأقل، من العام الذي غادرنا وترك غزة مثخنة الجراح وغارقة في الدماء .




















