في الفيزياء، يطلق على ما يحفظ للأجسام توازنها مصطلح "مركز الثقل"، وفي تجارب الشعوب، يسمى "الرموز"، أي اولئك الذين يستطيعون جمع المتناقضات وتكوين الثوابت أو بلورتها، لتتقدم من ثم على ماعداها.
أول متطلبات إفراز الرموز، وحدة الهدف والتطلعات، أي ان ايجاد جامع مشترك لفئات الشعب بمختلف انتماءاتهم، يكون بمثابة المغناطيس الجاذب لشظايا المكونات. وفي العراق، ما زالت وحدة الهدف غير متبلورة، اذ مازلنا في مرحلة هلامية لم تكتسب بعد شكلها التام.
ثاني المتطلبات يكمن في الظروف المساعدة او المساندة، تلك المتوافرة واقعا او التي يمكن توفيرها. بمعنى اخر، حاجة الشعب الى البحث عن وحدة الهدف ووسيلة تحقيقة، وذلك يعني وصول التطلعات الخاصة – اثنية أو طائفية او ما شابه – الى مرحلة الاشباع الناجز او العجز التام، وكلاهما يؤدي الى طريق مسدود.
وفي العراق، ينبغي ترك المكونات "تشبع" تطلعاتها الخاصة على ان يترافق ذلك مع عاملين: مشروع وطني بديل وحاضر، وضمانة ألا يكون الاشباع الخاص على حساب "موائد" المكونات الاخرى، وهو ما سيساهم في اكتشاف تلك المكونات ان "موائدها" الخاصة لن تكون كافية للاشباع، وبالتالي لن تكتمل الا بغيرها.
السيد جلال طالباني من اوائل الذين قرأوا الامكان الكامن في وحدة العراق وحتمية ظهور رمز وطني، وقد بدأ بطموح كبير حاول فيه تغيير اسم حزبه الى "الاتحاد الوطني العراقي" لكن تلك المحاولة طوقت بالاندفاع الكردي نحو تحقيق الحلم الخاص وبالتالي اجهض مشروع تحوله الى رمز وطني. اما مسعود البارازاني، فقد طرح نفسه منذ البداية، زعيما كرديا بثوب عراقي – شفاف.
في جانب آخر، تقدم كل من صالح المطلك ونائب الرئيس طارق الهاشمي، بطروحات، فُهم منها بداية مشروع وطني، لكنهما وقفا عند حدود الشعار فيما عادا بممارستهما الى احضان الطائفية أو طوقا بها ولم يستطيعا تجاوزها بعد. هذا فيما ارتبك مشروع اياد علاوي عند بداياته وحُسب على ماضيه البعثي – حقا او باطلا – ومع النظرة المأخوذة عنه حول ارتباطه المباشر بالمشروع الاميركي، طوقت محاولاته واجهضت في مهدها.
الجعفري بدوره، خرج من السلطة دون ان يتاح له الوقت لإنضاج مشروعه، ولم يستطع الظهور بعد ذلك كرافعة اساسية في الاحداث المتسارعة اللاحقة.
السيد عادل عبد المهدي بدا حائرا بين الفِلاحة والبور، اذ ساد خطابه نوع من "التوفيقية" غير الموفقة في بعص بنودها، فمجاراته لما يطرحه مجلس الرئاسة، خفف من ظهور متميز له، وصعّب على مؤيديه تبرير او توضيح رؤيته الخاصة التي ضاعت وسط تلك المعمعة.
الظروف الحالية خدمت بشكل ما، شخصية بعينها كبداية تشكل رمز وطني لم تكتمل ملامحه بعد، فلاشك ان للمنصب دوره الفاعل في منح هذه الشخصية او تلك، زخما وتأثيرا كبيرين لصنع رمزيته، وعلى هذا فلو لم يكن المالكي في موقع رئاسة الوزراء، فقد يتأخر ظهوره، او قد لا يظهر ابدا، لكن المالكي بدأ يتقدم جامعا بين الاستعداد الشخصي والظروف التي ساهم في صنعها، وخلو الساحة من رمز منافس، مع الاستفادة من المنصب الدستوري في اقصى مدياته.
ولو قُرئت خطوات المالكي واحدة اثر اخرى، لتكشفت الصورة عن رجل يحفر في صخر، والحفر في الصخر صعب مرهق، لكنه واضح الأثر عصي الزوال، فيما بدا بعض الآخرين، اشبه بمن يكتب على الرمل، سهل الفعل ممكن المحو.
قد يكون الرجل قد افرزته الصدفة، لكنه أصبح يحتل واجهة المشهد، ليس السياسي وحسب، بل هو يرسخ حضوره الشعبي كذلك، وهنا مكمن الخطر لبقية القوى السياسية، اذ ان خطواته أتت وكأنها استجابة لمطلب شعبي، وليست قرارا سلطويا، وتلك ظاهرة تعد بمثابة تهديد "لقلاع" تلك القوى وميادين تحركها، خاصة بعد ان امتدت شمالا وجنوبا وغربا، وبالتالي لم تعد هناك مناطق "آمنة" لنفوذها الحصري.
هل هناك أسرار في ما يحدث؟ السر في اللاسر، تلك هي المعضلة، فقوة الرجل تكمن في وضوحه، ففي وقت بدت فيه بعض القوى وكأنها تحتفظ بشيء ما، إن على صعيد مشاريعها الآنية او المستقبلية، أو الأساليب التي تستخدمها ظاهرا او باطنا، فمن يتحدث عن وحدة العراق، يظهر من المؤشرات ما يشي بغير ذلك، والذي يطالب باستقلال العراق، يحاط بأكثر من علامة استفهام، اما رافع لواء الوحدة الوطنية، فيذكر بأصحاب الشعارات التي تركت على الجسد العراقي آثارا عميقة.
لقد بدت بعض تلك المقولات كأغشية لم تصمد أمام اصطفاف حقيقي خلف مشروع الدولة، فظهر المالكي وكأنه الوحيد الذي يحمل عبء هذا المشروع، رغم أن ذلك ليس واقعيا تماما، اذ ان هناك اكثر من جهة لعبت دورا كبيرا على هذا الصعيد، لكن الفارق ان تلك القوى تمترست خلف مطالبها الكتلوية او الفئوية، فضيقت على نفسها مساحات اللعب، فيما انفتح المالكي مفسحا امامه ميادين واسعة، اصبح بنتيجتها يتحرك بحرية اكبر.
ذلك ما يرتسم في المشهد السياسي العراقي، امام المتابعين وعامة الناس على حد سواء، لكن المفارقة، ان النقطة التي قد تحسب على المالكي، هي انتماؤه الى حزب، فالرجل سجل نجاحات بشخصه لا بحزبه، واصبح في موضع يتقدم فيه على حزبه، من دون ان يستخدم أي وسيلة غير مشروعة أو يلجأ الى نوع من "الديكتاتورية" بل ان سياق الأحداث وإصراره على التقدم، وضعه في مشهد من يضرب في عصب السياسة، فيما ترك لغيره الضرب في الزنجيل، ليس إحياء لشعائر دينية، بل ندب سياسي بامتياز، الأمر الذي جعل الكثير من العراقيين يتمنون لو لم يكن المالكي حزبيا، رغم احترامهم لتاريخ ورموز ذلك الحزب.
– بغداد
"النهار"




















