عملية "الرصاص المصهور" تحصل على خلفية حدثين آخرين: حرب لبنان الثانية والإنتخابات العامة. لكل منهما توجد تداعيات على قرار القادة وسلوكهم. في المرحلة الأولى يبدو أن تداعيات الحرب الماضية إيجابية. أي أن الإخفاقات تم إصلاحها وأن العبر استخلصت في ما يتصل بالإستعداد وآلية صناعة القرار والنشاط الإستخباري وتصريحات القادة وطريقة الخروج إلى العملية وتشغيل القوات.
لكن الإمتحان الحقيقي لا يزال أمامنا. يجب أن نأمل بأن لا تخرج نجاحات المرحلة الأولى قادة العملية عن صوابهم وتنسيهم عبر لبنان. أن لا يسكروا بالنجاحات ولا ينجروا إلى تحديد أهداف غير واقعية وعنجهية وإلى خطوات مغامِرة وكارثية. أن لا يحاول أحد أن يتحاذق أكثر من اللازم انطلاقا من الرهان على أن ينسي النجاح في غزة الفشل الكبير في لبنان، أو من التقدير بأن ذلك سيساعده في الإنتخابات.
يحظر إدخال الإنتخابات والخصومات والنفور المتبادل بين المرشحين إلى دائرة الحسابات وتحويل العملية العسكرية، من خلال ذلك، إلى حملة انتخابية. إن استطلاع رأي، كالذي نشر في القناة العاشرة، وأظهر زيادة عدد المقاعد التي يحصل عليها باراك ستة مقاعد، يمكن أن تشكل إغراء لهذا الأمر، ومن المؤسف أنه نشر. كما أن رؤية أولمرت وليفني وباراك جالسين في المؤتمر الصحافي إلى جانب بعضهم بعضاً بوجوه عابسة ومقطبة يمكن بالطبع أن تثير القلق.
يجب ان يكون هدف العملية واحدا: الوصول إلى اتفاق جديد مع حماس، على أن يكون ملزما وموثقا ويمنع إطلاق الصواريخ ويضمن السلام لسكان الجنوب. ليس أكثر من ذلك. والقتال الذي يحصل في الطريق إلى الإتفاق يجب أن يحفر في وعي قادة المنظمة الثمن الباهظ الذي سيُجبى منهم ومن سكان القطاع في حال خرقوا الإتفاق واستأنفوا إطلاق النار. برأيي، يجب أن يكون إطلاق سراح غلعاد شاليط جزءا من الإتفاق أيضا.
من يحدد أهدافا أكبر وأكثر خيالية من ذلك، فإنه لا يخطئ فقط بالوقوع في الوهم، بل إنه يعرض حياة الناس للخطر عبثا ويجر المنطقة إلى توتر وكابوس متواصل. إن أهدافا على شاكلة احتلال قطاع غزة واستبدال حكم حماس ليس واقعية ويمكن أن تقود إلى تورط وضحايا عبثية وإلى الغرق في وحل عميق. فمن الذي يُفترض أن يستبدل الحكم؟ إسرائيل التي ستفرض حكما إداريا وتحمل نفسها عبء مليون ونصف مليون مقيم في وضع صعب، في وقت ستستمر فيه العمليات بمطاردتها؟ أم أبو مازن الضعيف، الذي سيكون محمولا على خناجرنا؟ أم مصر التي ستكون مستعدة لمنح الإهرامات لسوريا من أجل عدم العودة إلى القطاع؟ لقد شاهدنا هذا الفيلم السيئ مرتين في لبنان. لم نفلح في تبديل أي نظام، وكل ما حصلنا عليه هو أننا دفعنا ثمنا باهظا.
يجب أيضا أن ننسى إلى الأبد الوهم الغبي بأننا قادرون، عن طريق عملية عسكرية مكثفة، على دفع سكان دولة مجاورة إلى الإنتفاض ضد الحكم بسبب المعاناة التي يجرها عليهم ويعملوا على إسقاطه. هذا هدف مفند من أساسه لا ينبغي وضعه.
على الجيش أن يعمل حتى نصل إلى وضع تكون فيه حماس مستعدة لاتفاق جديد. هذا هو الهدف. ومن المطلوب أن يكون مدى العملية قصيرا قدر المستطاع. إن عملية تستمر وقتا طويلا لن تكون في مصلحة إسرائيل. فهي ستزيد خطر التورط وعدد الضحايا، كما ستتسبب بفقدان التعاطف والشرعية، حتى الجزئية، التي تحصل عليها إسرائيل من العالم. بعد شهر، لن يذكر أحد سبب هذه الحرب الذي كان إطلاق الصواريخ على النقب. إن صور المدنيين الذي سيصابون مرة تلو الأخرى في القطاع ستكون القصة المثيرة في العالم أجمع.
السؤال الصعب هو متى نصل إلى اتفاق، وهل يجب اللجوء إلى عمليات برية من أجل تعجيله، على ما في ذلك من خسائر محتملة، علما أن حماس، العازمة على الثأر، مستعدة جيدا.
لقد بدأت تلوح خلافات حول هذا السؤال في القيادة. في كل الأحوال، على العملية البرية، إذا تم شنها، أن تكون محدودة، وأن لا يكون هدفها احتلال القطاع، وإنما ضرب الأهداف التي يساهم ضربها في تعجيل الإتفاق. ليس أكثر من ذلك.
("معاريف" 3/1/2009)




















