وصف عالم الاجتماع العظيم ماكس فيبر قوة الكاريزما بأنها "صفة معينة من شخصية المرء، تميزه عن الرجال العاديين بحيث يعامل كشخص يتمتع بقوى فائقة للطبيعة تتخطى القدرة البشرية أو على الأقل بقدرات أو صفات استثنائية". بعض مؤيدي باراك أوباما بدوا في بعض الأحيان وكأنهم ينظرون إليه من هذا المنظور. فهم يعتقدون أن ولادته وخلفيته وفصاحته تمنحه صفات تكاد تكون سحرية. لا شك في أن أوباما يتمتع بكاريزما كبيرة وأن هذا يمنحه رصيدا سياسيا غير اعتيادي. لكن قريبا جدا ــ في 20 يناير 2009 ــ ستبدأ قواه هذه بالتحول، وستكون مستمدة من منصبه أكثر منها من شخصيته. سوف ينتقل، على حد تعبير فيبر، من ممارسة سلطة مبنية على الكاريزما إلى سلطة شرعية.
في يناير، سيُمنح أوباما السلطة لإدارة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا السبب يحتل المرتبة الأولى في هذه القائمة. مهما كان يتمتع بالكاريزما، لو كان رئيس كينيا، لما أصبح في هذا الموقع (أو مثل رئيس كينيا الحقيقي، لما أدرج حتى على هذه اللائحة). بالرغم من كل مشاكل الولايات المتحدة، وبالرغم من كل المصاعب التي واجهتها، لايزال البلد الأهم في العالم، قادرا على ممارسة نفوذه في كل المجالات وعلى كل القارات بشكل تعجز عنه أي قوة أساسية أخرى. وهذا البلد لايزال، على حد تعبير الكاتب الألماني جوزف جوفي "القوة العظمى في غياب قوة عظمى أخرى". أضف إلى ذلك صفات أوباما غير الاعتيادية، والارتياح الذي يشعر به معظم العالم لانتهاء عهد إدارة بوش، وستكون النتيجة باهرة.
لكن لا يمكن للرؤساء أن يبقوا رموزا كاريزمية، فهم مضطرون إلى معالجة المشاكل القائمة، ومن ثم يزداد نفوذهم ـــ أو يتضاءل ـــ استنادا إلى كيفية مواجهتهم لهذه التحديات. مع أن جورج واشنطن وأبراهام لنكولن وفرانكلين روزفلت كانوا مثيرين للإعجاب كأشخاص، فإنهم لم يبنوا سمعتهم الرائعة بفضل شخصياتهم بل أفعالهم. مهما كانت توقعات أوباما عندما بدأ مسيرته، في وقت كانت الحرب في العراق أهم موضوع في أذهان الكثير من الناخبين، وأيا كانت الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية، فسيتم الحكم على رئاسته من خلال كيفية مواجهته للأزمة الاقتصادية التي تضرب الولايات المتحدة والعالم الآن. لكي يتم تذكر أوباما على أنه رئيس عظيم، عليه أولا أن ينقذ الرأسمالية.
المهمة الأولى هي الأكثر صعوبة ربما: إعادة ثقة الأمريكيين وبقية العالم أيضا بالنظام العالمي. مع أن مشاعر البهجة كانت عارمة عند فوز أوباما، لايزال تشاؤم عميق يسود أنحاء البلد ويؤثر سلبا على الاقتصاد. فالناس والشركات لاتزال مترددة في الشراء والاقتراض والإقراض، وهذه كلها من ركائز الرأسمالية العصرية. لقد أصبح تركيز النظام السياسي منصبا على إنقاذ شركات تصنيع السيارات وعلى الخطة التحفيزية، لكن المشكلة الأساسية المتمثلة في فقدان الثقة بالنظام المالي لم تعالج بعد. يقول ديفيد سوينسن، كبير المسؤولين الاستثماريين في جامعة ييل: "لايزال قطاع القروض متزعزعا".
كيف يمكن إعادة ترسيخ الثقة؟ الأمر ليس سهلا كما يبدو. في النهاية، لطالما أبدى جورج دبليو بوش ثقة كبيرة بالنفس، وهذا ما يقلق الناس أكثر من اللازم. لعل هذا يعود إلى أن هدوء بوش غالبا ما يبدو غير متصل بالواقع من حوله» يبدو غير مدرك بالكامل للحقائق على الأرض، سواء كان ذلك في العراق أو لويزيانا أو أفغانستان. على غرار بوش، أبدى الرئيس فرانكلين روزفلت تفاؤلا كبيرا، لكنه كان حريصا على فهم ووصف حجم الصعوبات التي يواجهها البلد. في دردشته الإعلامية غير الرسمية الأولى مع الشعب، فسر الرئيس روزفلت مبادئ النظام المصرفي لأبناء الشعب الأمريكي ومن ثم طلب مساعدتهم لإعادة إحياء هذا النظام، قائـلا لهـم: "هـذه مشكلتكـم بقدر ما هي مشكلتي"، مجندا إياهـم للعمـل علـى تخطـي الأزمـة.
الخطوة التالية تقضي بإعطاء الناس انطباعا بأن النظام المالي مستقر ولا ينطوي على مفاجآت. سوينسن، وهو ربما ثاني أنجح مستثمر بعد وارين بافيت في العقود الأخيرة، يجادل بأن هذا كان العيب الأساسي في طريقة عمل إدارة بوش. يقول: "الأسواق بحاجة إلى الثقة والاستقرار. وتصرفات الإدارة زادت من عدم الثقة وعدم الاستقرار. فالإجراءات التي اتخذتها كانت مرتجلة، وطريقة تعاملها مع كل مؤسسة كانت مختلفة، وتقييمها للأمور كان غامضا، كل هذا يؤدي إلى الارتباك، مما يبعد الاستثمارات". الحل الذي يقترحه سوينسون بسيط وشامل، ويقضي بأن تضمن الحكومة كل صناديق الاستثمار، من دون حد أقصى، لمدة ستة أشهر. وهو يجادل بأن على الحكومة إزالة بعض المخاطر لحث الناس على الاقتراض والإقراض من جديد. "حاليا، لا تسهل الحكومة دفق الأموال الخاصة، بل تحل مكان رؤوس الأموال الخاصة. وهذا لا يحل المشكلة".
الطريقة الأخيرة التي يمكن لأوباما أن يعزز الثقة من خلالها تقضي بإصلاح النظام بحد ذاته. سوف ترث إدارته حكومة أخذت على عاتقها تعهدات غير اعتيادية في القطاع الخاص، ملكية في بنوك، وضمانات على القروض التجارية، وقروض لقطاع تصنيع السيارات. التراجع بحذر عن هذه التعهدات لإعادة تحفيز اقتصاد السوق سيكون استراتيجية معقدة للخروج من المأزق بقدر الانسحاب من العراق. لكن إذا تمكن أوباما من إصلاح الأنظمة والقوانين الحكومية ـــ وبالتالي الاقتصاد الأمريكي ـــ فإنه سيعيد إلى الناس في العالم ثقتهم بالنظام الأمريكي. لم تتخط اليابان أزمتها المصرفية إلا بعدما تمكنت من اعتماد نظام جديـد قائـم علـى التدقيـق الصـارم.
سيتعين على أوباما معالجة تحديات كبيرة، لكن ليس هناك تحد ـــ لا العراق، ولا روسيا، ولا باكستان، ولا الصين، ولا أفغانستان ـــ أكثر أهمية من هذه المهمة الهائلة: إعادة الثقة والاستقرار والإصلاحات إلى أمريكا. الكلام أسهل من الفعل. لكن إذا نجح في ذلك، فقد يبدأ الناس بالتساؤل إن كان باراك أوبامـا يتمتـع حقـا بقـوى خارقـة.
تاريخ النشر: الثلاثاء 30/12/2008
"نيوز ويك"




















