صدق من رأوا في وثائق “ويكيليكس” أنها تنتمي إلى عالم “المعلوم اللامعلوم”. لا حقائق كبرى جديدة ولا كشوفات خطيرة، مجرد تأكيدات لما يعرفه الجميع ويكذب بحقه الجميع أيضا!
ولا تخرج عن هذا الإطار “دردشة” الرئيس الأسد مع السيناتور الأمريكي كاردن في فبراير 2009 ، والتي كشفتها إحدى الوثائق المسربة إياها.
تناولت الوثيقة أوضاع حقوق الانسان في سوريا باعتبارها “إحدى مجالات اهتماماتنا الأساسية” وفقا لتعبير كاردن، معطيا مثالا حول اثني عشر قياديا اعتقلوا في ديسمبر 2007، على خلفية حضورهم اجتماع المجلس الوطني لإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي.
وتوزعت أقوال الرئيس الأسد على محورين:
الأول، التأكيد على أن سوريا في خضم عملية “إصلاح”، وإن كان التأكيد لم يشر إلى نوع الإصلاح المذكور، لكنه وبفهمه من سياق الحديث، يفترض أن ينصب على أوضاع حقوق الانسان والحريات العامة في البلاد. إذ أكد الرئيس على أننا “نتحرك إلى الأمام، ليس بسرعة، لكن بشكل منهجي”! ثم وبعبارة واضحة وصريحة قال:”لا تقلقوا حول حقوق الانسان، نحن نتحرك قدما”!
المحور الثاني، جاء لينسف كل ما قيل سابقا، عبر جملة من الانتقادات والتبريرات المتتابعة. فانتقد الرئيس أولا طرح السناتور المذكور، حين اعتبر أن اهتمام الأمريكيين يذهب تجاه بضعة أفراد معتقلين، فيما يتجاهل أوضاع الفلسطينيين في غزة، ثم عاد وخرج بمبرر آخر لتدهور حالة حقوق الانسان في سوريا، حين اعترف بأن لدى سوريا قوانين أمنية صارمة، لكنها ضرورية لحفظ أمن البلاد!
ثم قدم تبريرا آخر أكثر شمولا، فوفقا له ” المنطقة العربية كلها تفتقر إلى حرية التعبير ” ضاربا المثال بالعربية السعودية، وبالتالي لا عتب على سوريا!
أما تأكيده من ناحية أخرى بأنه يحظى “بشعبية” ساحقة، فهو دليل، وبحسب رأيه! أنه يعمل لمصلحة شعبه وأن شعبه راض عن أدائه!
ولم ينس السيد الرئيس، التلويح بفزاعة النزاعات الداخلية والإسلاميين في حال القيام بعملية إصلاح، لأن “الإصلاح السريع” يؤدي إلى مزيد من النزاعات! ولا أحد يعلم بالضبط ماهية معايير السرعة المقصودة، على اعتبار أن سوريا ماضية في هذا الطريق وفقا للرأي الرسمي منذ عقد من الزمان، لكن بغير تقدم يذكر.
وأخيرا، أن قضية حقوق الانسان ليست ذات أولوية – لا لنا ولا لكم – لسان حال سيادته يقول، فالأولوية التي تنطوي على المصلحة المشتركة، هي قضيتي السلام ومكافحة الإرهاب.
صدقا، لا جديد فيما ذكر، ولا مفاجأة فيه. باستثناء ربما التهمة الجديدة التي وجهها الأسد إلى معتقلي إعلان دمشق السابقين.
حيث قال الأسد، أن أعضاء إعلان دمشق أدينوا لعلاقتهم بشخص في لبنان دعا الولايات المتحدة إلى مهاجمة سوريا! هكذا، وليس سرا أن الشخصية اللبنانية التي اتهمت رسميا بالدعوة إلى احتلال سوريا هي النائب وليد جنبلاط. وبالعودة إلى تاريخ تلك الوثيقة في فبراير 2009، نلاحظ أن العلاقات كانت لاتزال متوترة مع الحليف السابق واللاحق، الذي فتحت له أحضان دمشق من جديد، فيما الإعلان الذي اتهم بعلاقة معه في تلك الوثيقة، لا يزال محظورا ومحاصرا ويخضع أعضاؤه لكافة أنواع القمع والتنكيل.
من ناحية أخرى، فذلك التاريخ يظهر بوضوح أن الحديث جرى بعد فترة طويلة من اعتقال ومحاكمة قيادات إعلان دمشق، وليس في الضبوط الأمنية ولا التحقيقات القضائية ما يشير من قريب أو بعيد إلى تلك التهمة التي أطلقها الأسد لمحدثه الأمريكي، ولا حتى لحملة التشويه والتشهير التي حاولت السلطة فيها النيل من الإعلان وأعضائه وفي ذلك نكتة سوداء لا تبعث إلا على الأسى.
أين ذلك كله إذا من “التحرك قدما” و”الإصلاح الممنهج”؟! ما دامت النظرة الوحيدة الرسمية لأي حراك معارض أو رأي مخالف تنطلق من عقلية التخوين والإقصاء؟! وإلى أين من المحتمل أن يصل التحرك الرسمي نحو “الإصلاح” إذا كان لا يزال يراوح مكانه منذ مايزيد عن أربعة عقود؟
الحقيقة الوحيدة من كل ما سبق، أن معتقلي إعلان دمشق وبقية معتقلي الرأي في سوريا، كانوا في السجون ولا يزال آخرون فيها لأنهم دعاة تغيير ديمقراطي سلمي، ولأنهم لا يزالون يحملون قلقهم المشروع حول أوضاع حقوق الانسان والحريات العامة في سوريا، التي لا تني تزداد تدهورا..فعفوا سيادة الرئيس..هناك ما يستدعي أكثر من القلق حول هذا الملف.
هيئة التحرير
4/12/2010
“النداء”







