لا يرجح أحد انشاء موقع باسم “ويكي العرب”. غير أن مجرد الإفتراض يدفع مباشرة الى التساؤل: ماذا سيحصل إذا تجرأ شخص ما، كما فعل جوليان أسانج في “ويكيليكس”، على نشر بعض غسيل الديبلوماسية العربية؟ وماذا سيظهر أكثر من سياسات الحكام والزعماء العرب؟ لا يحتاج أحد الى مخيلة خصبة ليدرك الإستنتاج: تخوين، مطاردة وتعذيب، ومن ثم اختفاء أو تعليق على المشانق.
في خضم الجدل الناشئ حيال “أخلاقية” موقع “ويكيليكس” وحق أسانج في تعرية سياسات الولايات المتحدة، من الواضح أن واشنطن تشعر بحرج دفع رئيسة الديبلوماسية الأميركية هيلاري كلينتون الى التنديد بموقع “ويكيليكس” بدعوى “سرقة” وثائق سرية عن مراسلات البعثات الأميركية عبر العالم والمطالبة باقفال الموقع ومحاكمة أسانج باعتباره “لصاً” و”فوضوياً” تسبب بأذى للولايات المتحدة. وبينما لا يزال الناس يستمتعون بالإطلاع على تفاصيل المراسلات السرية بين البعثات الأميركية في كل العواصم ووزارة الخارجية في واشنطن، لا أحد ينتظر “ويكي العرب” للإطلاع على المعلومات والانطباعات الصادقة التي كتبها ديبلوماسيون أميركيون عن زعماء وسياسيين وشخصيات أخرى من العالم العربي. والحبل على الجرار.
تتعامل الأنظمة العربية وتنظيماتها وصحافتها بانتقائية واجتزاء مع المخزون الهائل من الوثائق التي تكشفها “ويكيليكس” عن العالم العربي والشرق الأوسط. وعلى رغم أن المراسلات لم تظهر فضيحة كبرى على غرار “ووترغيت” أو “ايران غيت” حتى الآن، يبدو أن المنشور يعبر ما يكفي عن “نفاق” وعجز سياسيين عرب في التعامل مع مشاكل رئيسية تشغل كل العالم حالياً، من فلسطين واسرائيل الى ايران ولبنان. يثبت بعض الوثائق مثلاً الوجه العربي الحقيقي في موضوع التعامل مع البرنامج النووي الايراني. يريدون من الولايات المتحدة أن تخلصهم من هذه المشكلة. الإفادة التي جناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واضحة: “هناك اعتقاد متزايد من الدول والحكومات والحكام والزعماء في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع أن هذه (ايران) تشكل خطراً أصيلاً”.
ضمن أمور أخرى، إذا دلت الوثائق الأميركية المسربة على شيء، فإنها تدل على أن الولايات المتحدة اليوم تخسر سطوتها في الشارع العربي – وفي شوارع العالم أيضاً – نتيجة دعمها القديم للأنظمة العربية، أو لحكام وزعماء جعلوا أنفسهم “آلهة” على شعوب لا حول لها ولا قوة. لبنان ويا للأسف ليس استثناء. ولكن من يجرؤ في العالم العربي على الكلام؟
في بعض “ويكيليكس” يظهر مثلاً السعي الأميركي الحقيقي الى التخلص من معتقلي غوانتانامو بارسالهم الى مناطق أخرى غير تلك السجون السيئة الذكر في كوبا. حاولت الولايات المتحدة كل الطرق بما في ذلك الرشوة، في محاولة لطي تلك الصفحة السوداء. أخفقت. دول غربية وأوروبية رفضت. ودول عربية أجابت: “ارموهم في البحر!”. ولا تزال الإدارة الأميركية تحاول ايجاد حل لكيفية تعاملها مع أشخاص يشتبه في أنهم “ارهابيون”. السجال لا يزال قائماً داخل الولايات المتحدة حول مشروعية محاكمتهم أمام القضاء الأميركي، وعلى أي أرض.
لو كان هؤلاء “المقاتلون الأعداء” في واحد من بلدان الشرق الأوسط التي تعادي الولايات المتحدة أو تصادقها، ما الذي كان سيحصل لهؤلاء؟
في التعرية حيثما كانت إثارة تدفع الى الفضول واستراق النظر، اللهم حيث يمنع التحريم، وربما التجريم. وفي عالم عربي تضرب فيه الأمية أرقاماً قياسية وهو يستغرق في ماضيه، جاءه أسانج بمادة دسمة يخشى ألا تكون العبرة منها إلا المزيد من استراق النظر من بعضنا الى بعضنا الآخر، والثرثرة بعضنا على بعضنا الآخر.
أين “ويكي العرب”؟
(نيويورك)
“النهار”







