أخيراً أعترفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سوريا وعلى لسان الأستاذ عيسى ملدعون معاون وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل الدكتورة ديالا الحاج عارف بإزدياد انتشار ظاهرة عمالة الأطفال وما تنتجه من آثار سلبية اجتماعياً واقتصادياً وتربوياً… على الأطفال والمجتمع في آن واحد.
ورغم أن القوانين والتشريعات… السورية الخاصة بالعمل، والتي صدرت على مدار العقود الماضية، تمنع في مجملها عمل الأطفال قبل سن البلوغ، ورغم أن سوريا وقعت عام 2008 على برنامج العمل اللائق، الذي تضمن دراسة أوضاع هؤلاء الأطفال في سوق العمل والتركيز على الأولويات الأساسية للقضاء على أسوأ أشكال عمالة الأطفال وايجاد وتطوير قاعدة معلومات خاصة حول عمالة الأطفال في سوريا وحماية وتأهيل الأطفال العاملين وتحضير برنامج وطني للقضاء على عمالة الأطفال..، إلا أن ذلك كله لم يكن كافياً للقضاء على هذه الظاهرة الإنسانية الخطيرة، حيث يؤكد المكتب المركزي للاحصاء من خلال الاحصائيات وقاعدة البيانات المتوفرة لديه عن عدد الأطفال العاملين إلى أنه: تبلغ نسبة الأطفال العاملين ضمن الفئة العمرية من 5 – 14 سنة ( 5,5 ) للأطفال الذكور و ( 3,3 ) للإناث وذلك بحسب مؤشرات المسح العنقودية التي أجريت على نحو ( 30 ) ألف طفل في كافة المحافظات السورية، وأكدت الأستاذة شذى الجندي مديرة المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية في بيروت أن الدراسات والأبحاث عن عمل الأطفال في سوريا بينت أنه يوجد حوالي ستمائة وخمسين ألف طفل أغلبهم يعملون بالقطاع الزراعي والمؤسسات العائلية…، وفي دراسة أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة ( اليونيسيف ) منذ وقت قريب، أشارت إلى أن عدد العاملين من الأطفال في سوريا يصل إلى حوالي ستمائة ألف طفل يقومون بأعمال قاسية ضمن شروط غير صحية وغير إنسانية ولمدة ساعات طويلة وبأجور منخفضة وأن الأعمال التي يزاولونها هي ذاتها التي يعمل بها الكبارن بدءاً من العمل الأراضي الزراعية والمنشأت الصناعية… والقطاع الخدمي وفي المطاعم والفنادق وكذلك في بيع أوراق اليانصيب ومسح الأحذية…، ولعل ما يشجع أرباب العمل على تشغيل هذه الفئة – الأطفال -، هي أن الأجور التي يقبلون بها زهيدة بالمقارنة مع الأجور التي يتقاضاها الكبار عن نفس الأعمال والتي تصل أحياناً إلى أكثر من ثلاثة أضعاف المبلغ المعطى للأطفال، وفي أحياناً كثيرة قد لا يتقاضى الطفل أي أجر، نظراً لأنهم يعملون في الإطار الأسري وخصوصاً في الأعمال الزراعية، حيث أكدت على ذلك نفس الدراسة التي أتينا على ذكرها لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة ( اليونيسيف ) على أن حوالي نصف الأطفال العاملين يعملون في الإطار الأسري.
وما من شك بأن السبب الأساسي وراء انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في سوريا واستفحالها إلى هذه الدرجة الخطيرة، هو الفقر والحاجة…، ومن الممكن أن تختلف الظروف والأوضاع الاجتماعية التي تجعل هذا الطفل أو ذاك يتوجه مبكراً إلى ميدان العمل، حيث قد يندفع الطفل إلى ذلك بتشجع من الأهل، خاصة في حالات وفاة رب العائلة أو الطلاق…، وبمعنى أخر فإن المشاكل الاجتماعية والتفكك الأسري قد يلعب دوره أيضاً في دفع الأطفال إلى سوق العمل في أوقات مبكرة من عمرهم..، في ظل غياب الوعي الثقافي، وإضافة إلى ذلك فإن بعض البرامج الاقتصادية قد تسهم هي الأخرى في تعقيد الوضع الاجتماعي وتؤدي إلى انعكاسات سلبية على المستوى الاجتماعي من بينها انتشار ظاهرة عمالة الأطفال.
أن مزاولة الطفل للعمل في سن مبكرة، تشكل خطراً كبيراً على صحته وسلامته الشخصية…، حيث أن بعض المهن تتسبب في إلحاق الأذى له، مثل: العمل في المنشأت الصناعية التي تصدر عنها الأبخرة والغازات السامة…، والبعض الآخر قد تصيبه تشوهات وعاهات مستديمة من خلال الحمولة الثقيلة التي يمكن أن يكلف بها، كذلك يمكن أن يتعرض الطفل للإصابة الجسدية من بعض الآلات التي يعمل عليها وذلك لعدم معرفته بمعايير وأسس الآمان والسلامة المهنية…، وكذلك قد يتعرض للإساءة الجسدية من قبل صاحب العمل، كالضرب الذي ينعكس بآثاره النفسية والجسدية على الطفل وكذلك من الممكن أن يتعرض للإساءة الجنسية من قبل المحيطين به بالعمل كونه طفلاً وليست لديه خبرة كافية تحميه من أذى الأخرين، كما أنه قد يتعلم بعض العادات والسلوكيات التي تسيء إليه وتسيء للمجتمع كالتدخين والكحول والمخدرات والألفاظ السيئة…، ونفسياً قد يشعر الطفل العامل بحالة من الاغتراب وعدم الانتماء والقلق والخوف…، من المحيطين به وبالتالي يصبح طفلاً ثم رجلاً عدوانياً.
وإذا كان التشريع الذي يمنع عمل الطفل موجود، ومع ذلك نجد أن هذه الظاهرة – عمالة الأطفال – في انتشار وتزايد مستمر، فما العمل إذاً ؟ ببساطة نقول: أنه لا بد من تفعيل القوانين التي تعاقب الأهل الذين لا يسجلون أولادهم في المدارس أو يسمحون بتسربهم منها، ونشر التوعية بفوائد التعليم وإبراز مخاطر عمل الأطفال ونتائجها وآثارها السلبية، ودعم الأسر الفقيرة التي يكون العامل الاقتصادي وراء التحاق أطفالها بالعمل، وكذلك التوعية بمخاطر تفكك الأسرة والآثار الضارة والخطيرة لانفصال الوالدين… الخ.




















