أقرت الحكومة السورية في جلستها المنعقدة يوم الثلاثاء بتاريخ 14/12/ 2010، مشروع قانون يقضي بجواز تملك غير السوريين للحقوق العينية العقارية في الجمهورية العربية السورية وفق ضوابط وأسس ناظمة وإنهاء العمل بالقانون رقم 11 لعام 2008.
هنا ولكي لا نتهم بالتجني والافتراء سنعود قليلاً للوراء ونستعين بالماضي وإعادة استذكار بعض مواد القوانين السابقة التي أقرت في هذا السياق، بداية لا بد من القول أن القانون الذي تم إلغائه قبل أيام لم يمضي على إقراره سوى ثلاث سنوات وبقرار من مجلس الشعب بعد إلغائه العمل بالمرسوم التشريعي رقم 189 لعام 1952 وتعديلاته كما في المادة (14) منه في حين تبقى أحكامه نافذة بشأن التصرفات التي تمت في ظل نفاذه. وجاء في بنود مادته الأولى أنه «مع مراعاة أحكام كل من المرسوم التشريعي رقم 41 تاريخ 14-5- 1972 والقانون رقم 41 تاريخ 26-10-2004 والمرسوم التشريعي رقم 8 تاريخ 27-1-2007 والقانون رقم 32 تاريخ 14-12-2007 لا يجوز إنشاء أو تعديل أو نقل أي حق عيني عقاري في أرض الجمهورية العربية السورية لاسم أو لمنفعة شخص غير سوري طبيعياً كان أم اعتبارياً باستثناء
أ – تملك الأسرة بقصد سكنها الشخصي وعلى وجه الاستقلال عقاراً واحداً مبنياً برخصة نظامية وفق نظام ضابطة البناء وحدة سكنية متكاملة لاتقل مساحتها الدنيا عن 200 م2 ولا يقبل طلب الإفراز الطابقي لهذا العقار في حال قابليته للإفراز على أن يتم التملك بترخيص مسبق يصدر بقرار عن وزير الداخلية ويقصد بالأسرة في معرض تطبيق هذا القانون ماهو وارد في المادة الأولى من المرسوم التشريعي رقم 26 تاريخ 12-4-2007 على أن تكون إقامتها في الجمهورية العربية السورية إقامة مشروعة ودائمة.
ب- تملك البعثات الدبلوماسية والقنصلية والهيئات والمنظمات العربية والإقليمية والدولية مقرات لها أو لسكن رؤسائها وأعضائها داخل المخططات التنظيمية للوحدات الإدارية أو البلديات وفقا للحاجة.
ولايتم التملك إلا بموافقة مسبقة من رئيس مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الخارجية وبشرط المعاملة بالمثل بالنسبة للبعثات الدبلوماسية والقنصلية».
أي إن القانون في مادته الأولى كان واضحاً وصريحا عندما حظر تملك الأجانب للعقارات بشكل مطلق خارج الأماكن المبينة في مراكز المحافظات، وهذا يعني إن مجلس الشعب الذي أقر القانون لم يتهن بعد بقراره، ولعله من باب الحفاظ على ماء الوجه للأعضاء الذين أقروا وصوتوا عليه كان يجب إعطاؤهم القليل من الاحترام لحين الانتهاء من الدور التشريعي الحالي الذي شارف على الانتهاء، خاصة وأنه ليس من ضرورات حتمية ومستعجلة على إلغائه بهذه السرعة في وقت نحن بأمس الحاجة لتعديل وإلغاء الكثير من القوانين والقرارات التي لم تعد صالحة لعصرنا.
وفي نفس السياق فقد أكدت المادة الثانية من القانون الملغى على منع”غير السوري الذي اكتسب ملكية عقار وفق أحكام القانون أن يتصرف به بأي وجه من وجوه التصرف الناقل للملكية قبل مضي خمس سنوات على اكتساب الملكية”.
وحول طريقة انتقال ملكية العقار لغير السوري جاء في المادة الثالثة من القانون الملغى أن “انتقال الملكية لغير السوري بطريقة الإرث أو الانتقال أو الوصية يسقط حقه فيه وعليه نقل ملكيته إلى مواطن سوري خلال مدة سنة من تاريخ انتقاله إليه وإلا ينتقل إلى إدارة أملاك الدولة لقاء دفع قيمته المقدرة وفقا لقانون الاستملاك”.
كانت هذه من أهم المواد صعبة الاختراق من الخارج و«الداخل»، باستثناء المادة الرابعة التي كانت تقرّ بأنه «يجوز بمرسومٍ يأتي بناءً على اقتراح مجلس الوزراء في حالات الضرورة السماح بالتملك للشخص غير السوري طبيعيا كان أم اعتباريا دون التقيد بأحكام المادتين 1 و 3 من هذا القانون»، وهذا يفسر أيضاً أن أي خطأ كان يمكن ارتكابه في هذه الحالة تكون سببه الحكومة ذاتها التي ألغت القانون السابق.
لكن يبدو إن الذي لن تتوقعه الحكومة إنها وبإلغائها للقانون 11 لعام 2008 ستضعها أمام استحقاقات والتزامات قد تكون بغنى عنها، أو يجب عليها تقديم اقتراحات وإصدار قرارات وتعليمات تنفيذية بشأنها حتى تنقذ نفسها من المآزق القادمة فمثلاً جاء في القانون الملغى بخصوص المناطق الحدودية وفي المادة السادسة منه أن «المناطق الحدودية يخضع التملك والإيجار والاستثمار المنصوص عليه في هذا القانون لشرط مسافة الابتعاد التي تحدد بقرار يصدر عن وزير الدفاع». حيث أن هذه المادة كانت ترتبط بشكل مباشر بالقانون الذي صدر بتاريخ 10/9/2008 مرسوم جمهوري لتعديل القانون 49/2004 حول التملك في المناطق الحدودية، والذي بدوره يعاني هو وتعديلاته للعديد من الثغرات الدستورية والقانونية، نجملها فيما يلي:
أولاً: تنصُّ المادة 14/3 من الدستور على ما يلي: «الملكية الفردية: تشمل الممتلكات الخاصة بالأفراد، ويحدد القانون وظيفتها الاجتماعية في خدمة الاقتصاد الوطني».
وتخالف المادة /3/ فقرة /1/ من القانون 49/2008 الدستور بشكل صريح، حيث أنها تعلّق حق التملك للمواطن السوري في المناطق الحدودية على قرار يصدر عن وزير الداخلية، بعد اقتراح وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، وبعد أخذ موافقة وزارة الدفاع.
إن الذي يجب أن يفهمه هو أن تعليق الملكية على قرار من السلطة التنفيذية مناف للدستور، لأنه ينسف مبدأ فصل السلطات، حيث لا يُعلق حق التملك لأي مواطن إلا بواسطة السلطة القضائية، بناءً على أسباب متعلقة بالنزاعات القضائية.
ولا يجوز بأي شكل من أشكال أن تنتزع أية سلطة من السلطات الثلاث حق التملك من أي مواطن كان، حسب نص الدستور لأن لكلٍّ مواطن حق التملك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره.
ثانياً: يخالف القانون بشكل صريح مبدأ فصل السلطات، بانتزاعه صلاحيات السلطة القضائية، حيث نصَّ المرسوم 49/2008 على أن قرار وزير الداخلية غير قابل للمراجعة بأي شكل من الأشكال. ونصت المادة /3/ فقرة /ب/: «إن رفض وزير الداخلية قطعي لا يقبل أي طريق من طرق المراجعة».
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل يعني إلغاء القانون 11 لعام 2008 كل ما ذكر آنفاً بخصوص القانون 49 لعام 2008 الذي شكل كارثة للمناطق الحدودية وخاصة محافظة الحسكة والقنيطرة وريف حلب التي شلت فيها كلياً حركة البيع والشراء؟ بالمناسبة ولأجل التذكير فقط فان القانون 49 صدر بعد ثلاثة أشهر فقط من صدور القانون 11 لعام 2008!.
والسؤال الآخر المهم هو: هل من حقنا أن نفهم أن قرار الحكومة الذي يقضي بجواز تملك غير السوريين للحقوق العينية العقارية في الجمهورية العربية السورية، يطبق تماماً على أجانب محافظة الحسكة الذين جردوا من جنسيتهم السورية، ضحايا الإحصاء الاستثنائي السيئ الصيت لعام 1962إثناء عهد حكومة الانفصال، والذين يعتبرون سوريين أباً عن جد ومنذ عشرات السنين؟.
كما أنه لا يخفى على أحد أنه من الممكن أن يستفيد من القرار الجديد بعض الذين غير مرغوب بهم من الدول الأجنبية ومنها بمثابة المعادية الذين ينتظرون هكذا فرص للحصول على أي شيء من تراب هذا الوطن وهم بالأصل لا يستحقون استنشاق هوائه، فكيف السماح له بالنيل من عقاراته واستثماراته؟.
أخيرا لا بد من القول أن ما يهمنا كسوريين يعز علينا الوطن أنه وعند صدور أي قرار يجب التريث والبحث في كل الجزئيات والتفاصيل والتأكد من أنه يخدم الوطن والشعب أولاً وأخيراً.




















