أعلنت إسرائيل أن من أهداف عمليتها العدوانية في قطاع غزة إحداث تغيير نوعي في جنوب البلاد، بإرغام الفلسطينيين على وقف عملياتهم العسكرية وإطلاق صواريخهم نحو الأهداف الإسرائيلية عبر «الخط الأخضر». وتراهن إسرائيل على أن تكرر في قطاع غزة ما حققته في جنوب لبنان، حين نجحت في إبعاد مقاتلي "حزب الله" عن المنطقة الحدودية، الى ما وراء الليطاني، وحل محلهم الجيش اللبناني مدعوماً بقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل).
ورغم أن "حزب الله" فقد دوره الخارجي حين فقد موقعه على خط التماس العسكري مع إسرائيل، إلا أنه عوّض عنه بلعب دور في الداخل اللبناني، له آثاره وتداعياته المحلية والإقليمية معاً، حتى أنه لم يتردد في 7 أيار من العام الماضي في اللجوء إلى الحسم العسكري مع خصومه السياسيين الأمر الذي قاد إلى محطة الدوحة، والتي ما زلنا نشهد تداعياتها الإقليمية، فضلاً عن اللبنانية الداخلية.
وأية محاولة من الجانب الإسرائيلي لشطب دور المقاومة الفلسطينية المسلحة (وبشكل خاص حركة "حماس" كما يروج لذلك الإعلام الإسرائيلي المدعوم أميركياً وأوروبياً، وإلى حد ما عربياً) لا بد أن تقابلها المقاومة بتعويض دورها الإقليمي من خلال الاشتباك مع إسرائيل، بدور داخلي، ميدانه السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية.
لكن الفارق بين ارتداد حزب الله إلى الداخل، وارتداد المقاومة، هو أن لبنان بلد مستقل؛ يربطه، بإسرائيل خيط رفيع يتمثل بمزارع شبعا، وهو خيط لا يضغط كثيراً على عنق لبنان ولا يقيد حركته. كما أن التداعيات الإقليمية لدور "حزب الله" في الداخل اللبناني لا تعكس نفسها بالشكل الضاغط والمؤثر على إسرائيل، كما هي حال الوضع الفلسطيني بالنسبة للدولة العبرية.
فالتداخل بين الحالتين الفلسطينية والإسرائيلية عميق، شديد التعقيد، متشابك إلى حد أن كل تطور إسرائيلي داخلي له انعكاساته على الداخل الفلسطيني والعكس صحيح. فالتشابك السياسي والأمني والاقتصادي والجغرافي والسكاني بين الطرفين أخذ مداه خلال أكثر من أربعين عاماً من الاحتلال بحيث بات الفصل بين الطرفين يشكل معضلة للطرفين لها معاً. حتى أن أولمرت، رئيس حكومة تصريف الأعمال في إسرائيل، اضطر أن يتراجع عن خطة الانطواء من جانب واحد، والانفصال عن الفلسطينيين بقرار منفرد، بعد أن تأكد له بالملموس أن مثل هذه الخطة، ومثل هذا الانفصال لا يمكن تحقيقهما دون "عمل مشترك" بينه وبين الفلسطينيين.
وبالتالي إذا ما نجحت إسرائيل باستبعاد خطر الصواريخ والعمليات العسكرية في قطاع غزة، وضمنت كما تدعي أمن جنوبها، فإنها لا تستطيع أن تضمن أن لا تنتقل المقاومة الفلسطينية إلى الضفة الغربية (حيث هي موجودة أصلاً بتعبيراتها البشرية وبكونها قناعة سياسية لدى صف عريض من أنصار الفصائل الفلسطينية المختلفة بما في ذلك قواعد "فتح" متمثلة بذراعها العسكري المسمى "كتائب شهداء الأقصى").
والمقاومة المسلحة في الضفة الفلسطينية ذات تأثير على إسرائيل يفوق تأثيرها على الوجود الإسرائيلي في "غلاف" قطاع غزة. ففي الجنوب، يمكن الإسرائيليين أن يهجروا مدنهم وقراهم ومستوطناتهم بين فترة وأخرى، وسيكون لهذا انعكاس على الاستقرار الأمني الداخلي لجزء من سكان إسرائيل، لكن هذا الانعكاس لن يطول الحالة المستقبلية للمشروع الإسرائيلي. فسديروت وعسقلان والمجدل وكفار عزة وغيرها، وإن تضررت أمنياً من الصاروخ الفلسطيني، فإن "انتماءها" الجغرافي والسياسي لإسرائيل لن يتأثر. أما في الضفة الفلسطينية فإن العمليات سوف تستهدف المواقع العسكرية الإسرائيلية، ودوريات الجيش الإسرائيلي، كما من المؤكد أنها ستطول بالضرورة مجموعات المستوطنين في منازلهم وعلى الطرقات، وفي مراكزهم التجارية. ولهذا النوع من الصدام العسكري تداعياته على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
على الصعيد الإسرائيلي سيجد المستوطن نفسه هدفاً سهلاً لرصاص المقاتلين الفلسطينيين وعبواتهم الناسفة. وهو بالتالي سيقف أمام خيارين: إما أن ينخرط في حرب دموية ضد الفلسطينيين، يعيش تداعياتها المرعبة ليل نهار، هي أشبه بالحرب الأهلية، يطارده شبحها في كل مكان، كما يطارد زوجته وأبناءه ويهدد مستقبل وجوده في هذه المستوطنة أو تلك. وإما أن يحزم حقائبه ويرحل إلى الداخل الإسرائيلي، أو يعود من حيث أتى إلى بلاده الأصلية، بما يفاقم في أزمة الهجرة المعاكسة التي تؤرق قادة إسرائيل وتقلق بالهم.
كذلك سيجد الجندي الإسرائيلي نفسه، هو الآخر، في مواجهة حرب داخلية متجددة، تحوله مرة أخرى، خلافاً لتوجهات هيئة أركانه، ولتوصيات لجنة فينوغراد، من جندي في جيش محارب إلى رجل شرطة خاصة بحماية المستوطنين، أو التصدي للمتظاهرين الفلسطينيين، أو مشتبكاً مع مجموعات فدائية، وأفراد مسلحين هنا أو هناك. ونعتقد أن مثل هذه الحالة إن هي استجدت مرة أخرى في الضفة فرضت على قادة العدو، زيادة عدد الجنود المنتشرين في الضفة، بما في ذلك من أعباء اقتصادية. فضلاً عن ذلك فإن مثل هذا التطور من شأنه أن يعيد تسليط الضوء على الوجه البشع للاحتلال الإسرائيلي، في زمن باتت فيه الفضائيات تلعب دوراً كبيراً جداً ليس فقط في صناعة الرأي العام، بل وكذلك في إعادة صياغة الواقع لمصلحة هذه الوجهة السياسية أو تلك.
مثل هذا التطور، لن يقف عند حدود قدرة المقاومة على نقل ساحة المجابهة مع الاحتلال من القطاع إلى الضفة، بل سوف يتعدى هذا، نحو إحداث واقع سياسي جديد بشقيه الفلسطيني والإسرائيلي. الأمر الذي يعيد تأكيد وزن المقاومة في المعادلة الفلسطينية، ويعيد تأكيد أن انكفاء المقاومة عن خطوط التماس مع العدو الإسرائيلي في قطاع غزة ليس معناه شطبها من المعادلة السياسية.
فانتقال المقاومة إلى الضفة الفلسطينية سيحولها من مشكلة إسرائيلية (كما كانت عليه في قطاع غزة) إلى مشكلة فلسطينية أيضاً. إذ من المؤكد أن السلطة الفلسطينية – برئاسة محمود عباس – (المرشح للبقاء رئيساً حتى إشعار آخر) لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تجدد أعمال المقاومة في الضفة، وهي سوف تلجأ إلى الأساليب المختلفة، بهدف إنهاء هذه الظاهرة، لما ستعكسه على أوضاع السلطة من إحراجات في العلاقة مع الجانب الإسرائيلي، وأيضاً في العلاقة مع اللجنة الرباعية ومع الأطراف المانحة، ولا يستبعد أن تنزلق السلطة في معالجتها لتجدد ظاهرة المقاومة في الضفة، إلى استعمال القوة المسلحة، الأمر الذي قد يفتح على احتمالات وتطورات يصعب ضبطها في بعض الأحيان، خاصة في ظل الإحساس العام بعبثية العملية التفاوضية مع الجانب الإسرائيلي وضرورة إتباع أساليب أخرى ضده في مقدمها المقاومة المسلحة.
أما على الصعيد الإسرائيلي فلسوف يمسك المفاوض الإسرائيلي بذريعة جديدة لعرقلة العملية التفاوضية، هي عجز المفاوض الفلسطيني عن ضبط الأوضاع الأمنية بطرفه، وما يعتبره الجانب الإسرائيلي مقياساً مستقبلياً لقدرة المفاوض الفلسطيني على الالتزام بالاتفاقات الموقعة.
مثل هذه التداعيات المرتقبة، سوف تضع الحالة الفلسطينية أمام مفترق طرق، وأمام احتمالات مختلفة، أهمها:
1 – إن انتقال المقاومة إلى الضفة، من شأنه، في ظل سخونة الأوضاع أن يعيد الحياة إلى أوصال المقاومة في قطاع غزة، وبالتالي، فإن أية تهدئه أو هدنة، أو انكفاء عن العمل المسلح في القطاع، لا يشكل إلا مرحلة مؤقتة – سرعان ما تنقضي – لكي يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل عملية "الرصاص المسكوب" العدوانية.
2 – إن تصادم السلطة الفلسطينية مع المقاومة (ذات التعددية السياسية في اتجاهاتها وخلفياتها ومرجعياتها) سيعيد خلط الأوراق والتحالفات، داخل منظمة التحرير الفلسطينية وخارجها. فالأطراف الفلسطينية الأعضاء في المنظمة. والفاعلة في ميدان الكفاح المسلح (كالجبهتين الديموقراطية والشعبية لتحرير فلسطين) ستجد نفسها في تباعد سياسي أكثر فأكثر عن السياسة الرسمية للسلطة الفلسطينية وللمفاوض الفلسطيني، الأمر الذي سيدعو كلاً من الجانبين إلى إعادة تقويم موقفه من الجانب الآخر. والأطراف الأخرى، خارج المنظمة. كـ"حماس" و"الجهاد الإسلامي"، ستجد في تصادم السلطة الفلسطينية معها، ما يبرر لها سياستها في موقفها من السلطة وفي حجب الشرعية السياسية عنها كراعية لمصالح الشعب الفلسطيني وحريصة عليه.
3 – أما السلطة الفلسطينية فستجد نفسها أمام خيارات من بينها البحث عن توليفة سياسية تجنبها تجرع كأس التصادم مع الفصائل المسلحة، من خلال محاولة التعايش مع هذه المقاومة وفي الوقت نفسه مواصلة التفاوض مع الجانب الإسرائيلي بموجب شروط أنابوليس وآلياته.
ولعل خلق التوازن لهذه المعادلة لا يقاس بالمسطرة ولا بالميزان، بل بقرارات يومية، يصعب في بعض الأحيان اتخاذها دون أن تكون لها تداعياتها السلبية، الأمر الذي سيضع السلطة على الدوام أمام امتحان عسير وأمام حالة شديدة التعقيد، نعتقد أن تداعياتها سوف تدفع بالسلطة في نهاية المطاف إلى حسم أمرها. إما الحسم لمصلحة المفاوضات وحدها، وهذا يعني صداماً دموياً وحاسماً مع المقاومة. وإما حسم الأمر لمصلحة خط المقاومة، وهذا يعني انقلاباً سياسياً عسكرياً في وجه الاحتلال واللجنة الرباعية والأطراف المانحة (وكذلك بعض أطراف الحالة العربية) وهو أمر لا نستطيع الآن أن نقرأ أبعاده كاملة إن هو وقع فعلاً. وإما (إذا ما رغب عباس تجاوز هذين الخيارين لصعوبتهما) الاستقالة وترك الأمور تتداعى، بحيث ينفتح باب الحالة الفلسطينية على مصراعيه لكل أشكال التدخل الإقليمي (الإسرائيلي والعربي معاً).
في كل الأحوال، وأياً كانت نتائج حرب العدوان على قطاع غزة، فإن الحالة الفلسطينية، بعد وقف العدوان لن تكون هي نفسها الحالة الفلسطينية لما قبله. نتوقع أن تشهد هذه الحالة تطورات، وأن تعيش متغيرات حاولنا أن نقرأ جانباً منها، دون أن يعني ذلك أن قراءتنا تشكل الاحتمال الوحيد.
الحالة الفلسطينية وخلافاً لما رسا عليه الوضع في لبنان، مرشحة، بعد العدوان على القطاع، لمتغيرات قد تفاجئ حتى أكثر المحللين معرفة بخباياها وأسرارها وعناصر حراكها.
معتصم حمادة
(رئيس تحرير مجلة "الحرية" الناطقة بلسان الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين)




















