عندما طالبت فرنسا من رئيس وزراء اسرائيل مناحيم بيغن ان يوقف حصار ارييل شارون لمنطقة "الفاكهاني" في بيروت عام 1982، رفض الاستجابة بعناد المصمم على اخراج ابو عمار من ملجئه. ورد على انتقاد زعماء الدول في حينه، بأنه يتخيل ادولف هتلر في ثوب ياسر عرفات، وهو يحاول مجددا القضاء على الشعب اليهودي.
وفي جوابها على منتقدي قرار القصف العشوائي لمنازل غزة ومستشفياتها ومدارسها، قالت الوزيرة تسيبي ليفني، انها تواجه الضربات الى الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الذي يشجع "حماس" و"الجهاد الاسلامي" على نسف عملية السلام. وبحسب اعترافات ايهود اولمرت امام لجنة "فينوغراد" فان الحرب التي خاضتها اسرائيل صيف 2006، كانت حربا ضد ايران بواسطة "حزب الله" وهو يزعم ان احد اهم اهداف حرب غزة هو خلق عدو جديد يوازي عداوة اسرائيل عند العرب ويحمل اسم ايران.
تقول مصادر نافذة في الجامعة العربية ان "حماس" وسواها من المنظمات الرافضة لأي حل سلمي، قد بدلت في نظام الاولويات الفلسطينية لكونها تبنت موقف ايران، الامر الذي انعكس بصورة سلبية على مواقف الدول العربية وهذا ما يفسر ارتباك هذه الدول والاكتفاء بحصر تأييدها بالتظاهرات والمساعدات الانسانية. علما ان الحروب الست الماضية التي شنتها الدول العربية ضد اسرائيل كانت تخاض باسم الدفاع عن القضية. ولكن، هل صحيح ان حرب الابادة الوحشية التي افتعلتها الحكومة الاسرائيلية تستهدف ترجيح كفة مهندسيها ايهود اولمرت وتسيبي ليفني، في انتخابات العاشر من الشهر المقبل؟
وهل صحيح ان هذه النتيجة تستأهل التضحية بمشروع الدولتين وتعليق المحادثات السورية – الاسرائيلية، واجهاض خطة السلام العربية؟
المؤكد ان المرشحين لخلافة اولمرت يتسابقون على استغلال الفترة الزمنية المتبقية من ولاية جورج بوش بهدف ارغام الرئيس الاميركي باراك اوباما على التعامل مع الوضع الجديد الذي ستخلفه الحرب. وقد كلفوا الوزيرة كوندوليزا رايس بمهمة تعميق الازمة لكونها وضعت كامل المسؤولية على حركة "حماس" عندما اتهمتها باشعال حرب الصواريخ. وكانت الفصائل الفلسطينية في غزة تدافع عن عملها هذا بالقول انه مجرد رد فعل ضد سياسة الحصار والتجويع ومنع دخول الادوية ومواد التموين. مع العلم ان صواريخ القسام لم تقتل من الاسرائيليين خلال السنوات الثلاث الماضية سوى عشرين شخصا، في حين قتلت الآلة العسكرية الاسرائيلية حوالى الفي فلسطيني. لذلك يقول المحللون المستقلون ان لحرب غزة اهدافا استراتيجية وسياسية تتعدى مسألة الصواريخ بينها:
اولا – اختبار التغييرات الجديدة التي ادخلها وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك على تنظيمات الوحدات المقاتلة عقب الفشل الذي منيت به في حرب تموز 2006 امام "حزب الله".
ثانيا – اعادة تثبيت الهيمنة الاسرائيلية العسكرية على جاراتها بعدما زرعت نتائج حرب تموز بذور الشك لدى الدول الغربية – وخصوصا الولايات المتحدة – بجدوى استمرار دور "كلب الحراسة" اي الدور الذي كلفت بتنفيذه منذ حرب 1948.
ثالثاً – تقليص قدرة "حماس" الرادعة، ومنعها من اقامة توازن اقليمي للقوة، يجبر اسرائيل على الاعتدال. لذلك خطط الوزير باراك مع ضباط القيادة، لهجوم صاعق ولو ادى الامر الى سقوط مئات الضحايا من المدنيين.
رابعا – اشعار اهالي غزة بأن استمرار اطلاق الصواريخ على المستوطنات قد يحرض الجيش على اعادة احتلال القطاع الذي انسحب منه شارون بتشجيع من ايهود اولمرت وشمعون بيريس. وقد اقنعاه بأن عزل القطاع عن الضفة قد يكون لمصلحة اضعاف الدويلة الفلسطينية المرتقبة وحشر مليون ونصف المليون فلسطيني ضمن مساحة لا تتعدى الـ360 كيلومترا مربعا. وكانت الخطة الاسرائيلية تقضي بانفتاح غزة على مصر بحيث تعتمد على الجارة الكبرى في التجارة والادارة، وهكذا تتحرر اسرائيل من كل الواجبات المتطلبة تجاه المدنيين، الامر الذي يحصر مشكلة المعابر بمصر وحدها.
ومن الطبيعي ان ترفض مصر مثل هذا الخيار لأن تغلغل افكار جماعة "حماس" في المجتمع المصري يشكل التلاحم الذي ينشده "الاخوان المسلمون" عندئذ تكبر فرص الانقلاب العسكري، خصوصاً ان اهم الانقلابات التي حدثت في مصر، كان للقضية الفلسطينية الدور الأول في صنعها، مثل الثورة الناصرية، وكانت ثمرة هزيمة حرب 1948 والاسلحة الفاسدة.
خامساً- اجهاض مشروع السلام، واعطاء دنيس روس، المشرف على عمل اللجان الخاصة بأزمة الشرق الاوسط، الوقت الكافي لتمديد فترة التفاوض. والسبب ان اسرائيل لم تكمل عملية تهويد القدس الشرقية، ولم تزد عدد المستوطنات المطلوبة لاستيعاب موجة المهاجرين الجدد. وباختصار شديد، فإن حدود اسرائيل النهائية قد تتعدى جدار الفصل.
في ظل هذه الاهداف غير المعلنة تتوقف الحكومة الاسرائيلية بين عهد محمود عباس الذي انتهت ولايته امس (9 الجاري) وعهد جورج بوش الذي تنتهي ولايته بعد عشرة ايام (19 الجاري). وتشير المعلومات الى احتمال نقل أزمة البحث عن حل الى ادارة الرئيس اوباما لأن اسرائيل تسعى الى فتح ابواب التعاون معه من باب تسهيل مبادرته الاولى. وهذا يعني ان مبادرة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي التي سبق لأوباما ان أيدها ودعمها. ستكون بمثابة مقدمة لتدخل اميركي.
والملاحظ ان المبادرة الانسانية التي عرضها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لا تخلو من جوانب سياسية شبيهة بالقرار 1701 الذي اعتمده مجلس الأمن (صيف 2006) من أجل إنهاء القتال. وجاء في فقرته الاولى: إدراكاً منه لمسؤولياته في المساعدة على تأمين وقف دائم لاطلاق النار وايجاد حل طويل الأجل للصراع، وإذ يقرر ان الحال في لبنان تشكل تهديداً على السلام والأمن الدوليين، يدعو المجلس الى وقف تام للاعمال القتالية، ويستند بصورة خاصة الى وقف "حزب الله" الفوري لجميع الهجمات، ووقف اسرائيل الفوري لجميع العمليات العسكرية الهجومية. ومع ان مضمون هذه الفقرة ينسحب على "حماس" واسرائيل ايضاً، الا ان المأزق الذي واجهه ساركوزي يتعلق بالفقرة الثانية وما يترتب على السلطة من مسؤوليات. وتقول هذه الفقرة: إن مجلس الامن يطالب حكومة لبنان وقوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان، القيام بنشر قواتهما معاً في جميع أنحاء الجنوب، ويطالب حكومة اسرائيل بسحب جميع قواتها من جنوب لبنان في شكل مواز عندما يبدأ ذلك النشر.
ومع مراجعة هذا القرار تبين للفرنسيين ان السلطة الفلسطينية الشرعية قد طُردت من قطاع غزة وحلت محلها قوات "حماس" التي رفضت الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا الاعتراف بها. ويبدو أن ساركوزي قد طلب من سوريا تذليل هذه العقبة من طريق عقد اتفاق يتم على مرحلتين: الاتفاق الاول يعقد مع رئيس السلطة الوطنية محمود عباس بضمانة اميركية. والاتفاق الثاني يتناول مراحل تطبيق الاتفاق الاول بعد إجراء مصالحة فلسطينية – فلسطينية تقود الى إشراك "حماس" في مفاوضات البحث عن حل ثابت.
وكان أبو مازن قد اتفق مع الرئيس المصري حسني مبارك على اطلاق الحوار الوطني بين 13 فصيلاً فلسطينياً. وقد تعثر الحوار في حينه، لأن "حماس" اشترطت اطلاق سراح المعتقلين السياسيين من سجون السلطة الفلسطينية.
في مقابل هذا الشرط عقب فشل مؤتمر الحوار، هدد محمود عباس بالذهاب الى انتخابات عامة (رئاسية وتشريعية) في خريف 2009. وهو يرى أن الانتخابات تنهي حال الانقسام الذي عطل عملية التفاوض وأعطى اسرائيل الحجة لإجهاضها بسبب عدم وجود شريك فلسطيني يمثل كل الفصائل.
هذا، ويبدو أن ساركوزي قد ضمّن مبادرته شروطاً تتعلق بوقف العنف من الجانبين، على ان تعترف "حماس" بدولة اسرائيل مثلها مثل بعض الدول العربية، مع الموافقة على الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير واسرائيل.
ولكن الولايات المتحدة لا تقر بأن نتائج الانتخابات العامة ستحدد هوية السلطة الشرعية المؤهلة لمفاوضة اسرائيل. ذلك ان تجربة انتخابات 2006 أفرزت "حماس" كقوة شعبية فازت بانتخابات حرة اشرف على سيرها الرئيس جيمي كارتر ووفد المراقبة. وكما رفضت واشنطن الاعتراف بانتخابات الجزائر (1992) هكذا رفضت الاعتراف بشرعية "حماس" لأنها ترفض الاعتراف باسرائيل.
وكان من نتائج هاتين التجربتين أن وقعت واشنطن في التناقض بين مصالحها وشعاراتها، فاذا بها تضحي بالديموقراطية في سبيل اسرائيل، او في سبيل ما سمته "عملية السلام". يقول المراقبون إنه سيمر وقت طويل قبل أن تختمر عملية المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، وتجري الانتخابات المعدة لعملية السلام. كما سيمر وقت طويل قبل تشكيل حكومة اسرائيلية برئاسة ليفني او نتنياهو، يمكنها استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين. خصوصاً ان تداعيات مجازر غزة ستجعل من الصعب على أي قائد فلسطيني التوقيع على اتفاقية كتبتها ليفني بدماء مئات الابرياء!
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)
"النهار"




















