جميل أن يستطيع الحاكم المثول مرتاحاً أمام محكمة ضميره. وأن يستطيع القول إن بلاده تقدمت في عهده. وأن تكون لديه أرقام تدعم ما يقول. جميل أن يشعر أن السياسات التي اتبعت أدت إلى تغيير مصير مئات الملايين من الناس. صار لديهم شقق أو تحسنت مقرات إقامتهم. وصار باستطاعة أبنائهم الحصول على وجبات افضل. وأن المدرسة التي يرتادون حققت هي الأخرى تقدماً. وأن الجامعات باتت مرتبطة بالعصر. وأن ملايين الشبان بات في استطاعتهم الحصول على سيارة. وأنه صار باستطاعة أعداد اكبر الخروج لإلقاء نظرة على العالم.
جميل أن يكون باستطاعة الحاكم القول إن بلاده انتهجت سياسات تصب في خدمة الازدهار والاستقرار. وإنها باتت تغرف من القاموس المقبول دولياً. وإنها لم ترتكب سياسات مغامرة أو طائشة. ولم تكن طرفاً في نزاعات تزهق الأرواح. وإنها تصرفت بمسؤولية كاملة في الأزمات الكبرى. وإنها ساهمت في إطلالات مسؤوليها على المسرح الدولي في تعزيز قيم التعاون والتبادل وبناء العلاقات على قاعدة المصالح المشتركة.
اكتب ذلك وأنا افكر في المثلث الباكستاني – الهندي – الصيني. اكتب تحت وطأة العملية الانتحارية التي استهدفت باكستانيين تجمعوا أمام مخازن تابعة لبرنامج الغذاء العالمي وأسفرت عن سقوط اكثر من 42 قتيلاً و70 جريحاً. تنكر الانتحاري في زي امرأة ونجح في التسلل والانفجار بالمنتظرين. وفي ضوء ما تعيشه باكستان بدا المشهد عادياً أو شبه عادي. القتل مشهد يومي وممارسة شائعة. انتجت باكستان أفواجاً من الانتحاريين وصدرتهم وها هم ينفجرون بها. أضاعت باكستان عقوداً بين تسلط العسكريين وفساد المدنيين. ارتضت القيام بأدوار اكبر من قدرتها. لم تفارقها عقدة الخوف من الهند والرغبة في الثأر. توهمت أن أفغانستان حديقتها الخلفية وها هي تحصد ثمار أدوارها وراء الحدود. بصمات بعض أجهزتها الأمنية ظهرت جلياً في تفجيرات على الأراضي الهندية. حكمة القيادات في نيودلهي جنبت باكستان جرحاً جديداً.
الصورة مختلفة تماماً في بكين ونيودلهي. السياسات مختلفة ومعها الوسائل. ينام ماو تسي تونغ في ضريحه لكنه لا يحكم الصين من قبره. بلاده لا تخاطب العالم بوصفات «الكتاب الأحمر» بل بأرقام الاقتصاد ومعدل النمو واستكشاف آفاق التعاون والاستثمار. مانموهان سينغ لا يعد الهند للانتصار على باكستان. يعدها لمحاربة الفقر والتخلف والأمية والبطالة.
كان اللقاء الأخير في نيودلهي بين سينغ ونظيره الصيني وين جيباو بالغ الدلالات. قال وين إن البلدين ليسا محكومين بمنطق الخصومة والتنافس الشرس. وإن المكان يتسع لنمو البلدين وتعاونهما لتحسين شروط حياة ما يزيد على ملياري نسمة. تحدث عن التعاون بين شريكين وحل الخلافات الحدودية عبر التفاوض. جاء وين مصطحباً أربعمئة من رجال الأعمال وخاطب منتدى الأعمال في نيودلهي. لم يغرف من قاموس التوتر الذي حكم العلاقات بين البلدين على مدار عقود. ومثله فعل سينغ. كان كل من الرجلين يفكر في مصلحة بلاده ومصلحة المواطن العادي فيها.
تحصد الصين حالياً ثمار سياسة الانفتاح المدروس التي حلم بها ينغ هسياو بينغ وزهاو زيانغ. تحصد الهند حالياً ثمار سياسة الانفتاح الاقتصادي التي اطلقها سينغ قبل توليه رئاسة الوزراء. إنها السياسات العاقلة التي تتيح التعاون بين عملاقين كان كل شيء يرشحهما للتصادم خصوصاً أن الخبراء يتوقعون أن يكون القرن الحالي آسيوياً بامتياز. في المقابل تبدو باكستان في صورة الرجل المريض داخل المثلث الذي يضمها مع الهند والصين تماماً كما بدا العراق في المثلث الذي يضمه مع تركيا وإيران.











