لا وجه للمقارنة بين ردود فعل السياسيين من جهة والإعلاميين والصحافيين من جهة أخرى تجاه نشاط موقع «ويكيليكس» وتسريباته، وكذلك في المشاعر الشخصية تجاه مؤسس الموقع جوليان أسانغ. فالقلق وعدم الارتياح، وربما الرفض والإدانة والاستنكار، كلها ردود فعل صدرت عن سياسيين في مختلف أنحاء العالم مع مزيج من «التنظير» عن حقوق الملكية الفكرية السياسية ومصالح الدول، والأمم والشعوب التي قد تتضرر بنشر الوثائق الرسمية على الملأ.
أما عدم الارتياح وربما «القرف» من صاحبنا أسانغ فكان الشعور المسيطر على غالبية السياسيين في العالم، ولم يخف بعضهم ارتياحه لاتهامه في قضية تحرش في السويد وأمنياته بأن ينال حكماً رادعاً باعتباره متحرشاً بالنساء أو بالسياسيين والحكومات والرؤساء.
على النقيض تماماً احتفى الإعلاميون والصحافيون بالتسريبات وبنشاط الموقع وصاروا ينتظرون في لهفة الوثائق الجديدة التي سيتم الكشف عنها لاحقاً، وتسابقت الصحف وبرامج التلفزيون في الترويج لكل وثيقة تكشف عنها الموقع وتحويل كل خطاب من سفير إلى وزير أو رأي طرحه مسؤول أميركي أو تلقاه من مسؤول في دولة «نايمة» أو نامية إلى فضيحة تستحق البحث والنقاش حول أسبابها وطرق تفعيلها وإبلاغها إلى كل من لم يكن يعرف بها.
تحول أسانغ إلى رمز بين الإعلاميين والصحافيين حتى أن كثيرين منهم وجدوا فيه مثلاً أعلى لكل العاملين في مهنة البحث عن المتاعب ونموذجاً عليهم الاعتزاز به وتقليده والسير على خطاه. إنها ردود الفعل نفسها في العالم المتقدم وبين دول العالم الثالث وضمنها الدول العربية ،مع بعض الفروق وأهمها أن الدول الديموقراطية بدت فيها ردود الفعل أقل حدة من جانب المسؤولين والحكومات من جهة ولدى الإعلاميين والصحافيين من جهة أخرى، ربما لأن الأسرار هناك ليست كثيرة أو لأن الشعوب في العالم المتقدم تصلها المعلومات بواسطة وسائل الإعلام بكميات ضخمة. أما في العالم الثالث فالحال مختلف لدينا حيث التعتيم هو الأساس و»فلترة» المعلومات أو حتى منعها سلوك دائم، وتغييب الحقائق أمر مألوف.
ولعل ذلك كان سبباً في حالة «الانبهار» التي سيطرت على بعض العرب بعدما قرأوا وثائق هي في الأساس مجرد رسائل من سفراء الولايات المتحدة في بعض الدول العربية إلى إدارات الحكم في أميركا حوت وجهة نظر السفراء في بعض الوقائع أو حول سلوك بعض المسؤولين العرب أو سياستهم لا أكثر، وتحول «الانبهار» إلى مفاجآت أصابت حتى بعض السياسيين العرب، ناهيك عن الإعلاميين والصحافيين. وفي مرحلة لاحقة تحولت المفاجآت إلى آمال بأن يكشف عن وثائق أخرى أو بمعنى أدق رسائل أخرى ليعرف انطباعات هذا السفير أو تلك السفيرة الأميركية عن هذا الرئيس أو ذاك، أو رأي السفارة الأميركية في بلد ما في الأوضاع الداخلية لهذا البلد العربي أو ذاك، إضافة الى الإجراءات «العقابية» التي تتخذها بعض حكومات الدول العربية في حق الصحافيين والإعلاميين «المتجاوزين» أو بكل وضوح «المتميزين» فإن قضية «حجب المعلومات وتبقى أكثر المعضلات شيوعاً وتأثيراً على عمل الإعلام، ولا يتوقف الأمر عند الرغبة في منع معلومة ما أو إخفاء سر بعينه ولكن عدم إيمان كبار المسؤولين بحق المعرفة وطبيعة عمل الصحف ووسائل الإعلام الأخرى من المشاكل الرئيسية التي يواجهها الصحافي والإعلامي علاوة على شعور يتملك بعض المسؤولين بأن المهنة تقوم على «التطفل» و»النميمة» وتوريط هذا المسؤول أو ذاك في مشكلة قد تعجل بتركه لمنصبه.
ويضاف إلى ذلك مسألة الخلط لدى المسؤولين بين رأي الكاتب وبين المعلومة التي قد يحصل عليها ويشرع في نشرها على الناس أو بين تناوله لموضوع بعينه وبين موقفه السياسي. أما المطالبة بـ «ويكليلكس» عربي فيدخل ضمن الأمنيات غير قابلة للتحقق ليس فقط لأن إجراءات ستتخذ ضد من يجرؤ على نشر وثيقة عربية، ولكن الأهم هو أن العرب لا يفضلون الاحتفاظ بوثائق من الأساس وإن احتفظوا فليس فيها أسرار من الوزن الثقيل لأن الناس في العالم العربي يعرفون ويدركون أسرار حكامهم حتى من دون تسريبات.











