![]() |
تحتاج الإجابة عن هذه الأسئلة إلى شجاعة. تحتاج إلى إيمان بأن الكلام يقدر أن يخترق الواقع الذي يبدو ممتنعاً على التغير. مع أنني لم أفهم يوماً سبب استحالة التغير. مؤتمرات عُقدت ومفكرون وعلماء كتبوا وتكلموا واقترحوا. كأنما هناك جدار بين عالم السياسة وقوانينه وحساباته التي تقرر المصير، وبين عالم الناس الذين وحدهم يدفعون الثمن، جدار بين عالم السياسة وعالم الثقافة. وما جدوى الثقافة في النهاية إذا دارت في حلقتها المفرغة ولم ترفد نظراتها وتطلعاتها مجموع الفاعليات الاجتماعية والسياسية ومؤسسات تحصيل المعرفة. هذا على الرغم من وجود مثقفين كبار في مراكز المسؤولية. لكن كأنهم يتركون ذكاءهم ومؤهلاتهم الإبداعية على باب المؤسسة الرسمية.
الانقطاع الانقطاع الانقطاع: بين أنظمة الحكم ومؤسساته ولا سيما النظام الطائفي اللبناني من جهة وبين المثقفين وعالم التفكير الاجتماعي العلمي الموضوعي، من جهة ثانية. بين الزعماء واللاعبين بالمصائر من جهة وبين الناس الطيبين الواثقين (أو اليائسين) من جهة ثالثة.
مع ذلك، ربما وجب أن يتواصل الكلام، ما دمنا لا نملك غير الكلام في وجه هذا الجدار.
1- وصف ما نحن عليه
هذه الحرب بالقفازات والتهديدات، والتهدئة بالوساطات، والخطابات الهجومية أو المتذاكية المغلّفة أو التمويهية نعرف أنها مرشّحة لأن تكون حرب راجمات. استمرت “الحرب الأهلية” خمس عشرة سنة بين وساطة ومصالحة وهدنة وحرب مدمرة ووساطة جديدة وجيوش رادعة وحروب فرخت حروباً.
نعرف أنّ كلّ خطوة إلى الأمام مهدَّدة بخطوتين إلى الوراء. كل ما اكتسب الشرعية بالمساعدة أو بالتنازل مهدّد بأن يصبح خارج الشرعية ويواجه العواصف التي لا أحد يعرف من أي جهة ستهبّ. ولكن العواصف، على اختلافها، باتت تعرف الطريق إلى خليجها التاريخيّ.
والعلة ليست في نقص الذكاء اللبناني ولا ضعف الإبداعية اللبنانية. فليس اللبنانيون أقلّ ذكاء ولا خيالاً أو إبداعاً من إخوانهم العرب أو غير العرب، بل هم الأكثر جدارة وإبداعية. غير أنّ العلة معروفة. هي العلة التي نزلت بالعراق وحوّلته إلى ساحة دمار مرشحة للاستمرار: عصبيات الطوائف والطائفية.
لم أفهم يوماً هذا النظام المبني على التقاسم المؤدي – كما يبرهن الواقع – إلى الانقسام والاحتراب. ما مسوّغ هذا النظام الذي لا يضمن شيئاً إلا لمستغليه والمضاربين به؟
هذا التشبث بالنظام الطائفي، هل يعني أنّ النظام المدني الذي يبعد مستغلّي الطائفة، سيظلم أبناء الطوائف؟ ولكن هل أبناء الطوائف كتل متراصّة موحَّدة الرأي والمصلحة؟ وما معنى الطائفية حين تكون الطائفة الواحدة منقسمة شيعاً وأحزاباً وكتلاً يجري بينها الدم ويتوسط بينها أبناء الطوائف الأخرى؟ ما هو المنطق الملغز الذي يجعل التناحر والتعطيل جوهر الفعل أو الدهاء السياسي اللبناني؟ وهل تعطيل البلد يوفر فرداً من هذه الطائفة أو تلك؟ إذاً من المستفيد من التعطيل؟ يبحث الإنسان عن المنطق ولا يجد له حضوراً.
يخطر لي تعديل الصورة التي رسمتها الصديقة منى فياض في عدد سابق من “الملحق” بحيث تكون أعضاء المصاب قابلة للحركة، لكن لينقض بعضها البعض الآخر: نظرات لا تلتقي عند منظور. كل عضو يحارب الآخر. دماغ هو أدمغة تعمل للتعطيل لا للإنجاز. أدمغة فاقدة للتنسيق فاقدة للهدف الموحّد. شلل ضوضائي. هذه الحالة هي النظام الطائفي.
في بلادنا أفراد رائعون كأفراد، وأحياناً عباقرة. لكن ما إن يدخلوا متاهات الأجهزة المبنية على التوازن الطائفي لا على مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب، حتى تعلَّق عبقرياتهم على مشاجب التوازن وانتظار استقرار الميزان الطائفي الذي لا يستقر.
ونتساءل: لماذا يظهر التميّز والنجاح في المجالات الفردية والمبادرات الفردية؟ في حقول الإبداع الفردي، والهندسة المعمارية (وليس تخطيط المدينة)، والأدب والمسرح الفردي أو الفنون التشكيلية والطب العلاجي (لا الأبحاث الطبية) والمبادرات التجارية الخاصة (وليس مشروعات الدولة)، أو في المبادرات الصناعية الخاصة؟ الخلاصة أنّ النجاح فردي والركود عام. حتى في زمن الحرب الأهلية تواصل ازدهار النشاط الخاص على رغم تفكك الدولة. لكن القوة الثقافية للبلد والدينامية الفردية لا تفعلان في السياسة ولا تخترقان البنى الطائفية التي تعطل هذا الجسد العليل المنقسم على ذاته.
2- خائفة؟ بالتأكيد، وإن لم أكن يائسة تماماً. ما يجري في لبنان لا يسمح بالاطمئنان. لا ثقة في شيء. وما يجري في البلدان العربية بإيقاع متسارع ونطاق متعاظم لا يسمح هو أيضاً بالاطمئنان ولا يُفهَم. ومع أنّ عالمنا لا ينظر إلا إلى الوراء، فإنه لا يتعلّم من تجارب الماضي. كأنه ينظر إلى الوراء ليقلّد خطايا الماضي ويتجرأ على خطايا لم يرتكبها السلف. ليس الناس جاهزين لحكمة السلم وعبقريات السلم والبناء وأساليب الحوار المفتوح غير الملغوم أو المحسوم مسبقاً.
3- أخاف من اليأس. اليائس يقدر أن يفاجئ باللجوء إلى غير المعقول وغير المتوقّع، وما لا مردود أو مكسب من ورائه.
في البلدان العربية تصدّع اجتماعي عميق، بعضه مرئي، بعضه غير مرئي. مرئي في السودان والعراق. ولا بدّ من الحذر لا في لبنان وحده بل أيضاً في بلدان اشتهرت بتلاحم سكانها إلى درجة جعلتها ممتنعة على الهجرة. لكن لا أحد يسلم إذا ما اهتزت الصدوع.
4- هذا كله ألا يثير الجدل ويبعث على المناقشة؟ لكن أي مناقشة من دون تسمية الأشياء بأسمائها ووصف العلل؟ صحيح أنّ الكلام الصريح في هذه الأحوال هو من نار، لكن لماذا لا يمكن استبدال الكمامات والقفازات والكنايات بالموضوعية ووحدة الهدف؟ أم لا وجود لوحدة الهدف؟
أتفهم التخلف عن تحقيق الاختراعات الكبرى وتجهيز جيوش عالية الكفاءة لمهمات الدفاع والتحرير. يمكن أن أتفهم التخلف عن تحقيق إنجازات إنسانية وقانونية عالية في ميادين يسيطر عليها الفهم المتخلف للدين. فهذه أمور معقدة وتحتاج إلى زمن. لكنني لا أفهم الأنظمة العربية وفي الأخصّ حتمية النظام الطائفي في لبنان ومبدأ المحاصصة واقتسام ما لا ينقسم: الإرادة الوطنية. ولا أقول هذا لأن المعجزة ستقع بمجرد إعلان نظام مدني أو أساس مختلف للتوافق. إذ إنه لا بدّ من “هدنة” تعقّل طويلة الأمد تسمح بمعالجة قضايا تأسيسية بهدوء وبعيداً من الحرائق.
أما عن الثقافة فأعتقد أنّ الحياة الثقافية، على مستوى الظاهر، حالها معقولة نسبياً. بمعنى أنها لا تعاني انسداداً ولا تمتنع على التحليل والمقترحات والمبادرات أو النقد. وأي مناسبة أو مبادرة إيجابية من نوع “بيروت عاصمة عالمية للكتاب”، على رغم قصر المدة الزمنية، قادرة على التحريك والتغيير لأن الأساس حاضر والخميرة حاضرة. الآداب والفنون، ومنها المسرح، تتقدم وحركة النشر ناشطة وتشق طريقها عكس التيار وعلى رغم الظروف، والسينما تسير بمعجزة الشجاعة الفردية وقليل من إيمان الدولة أو أهل الإمكانات.
في النتيجة، المثقفون يسيرون عكس التيار وعلى رغم التيار.
لكن المخاوف تحضر متى التفتنا إلى أساس النسيج الاجتماعي، أي المدرسة والجامعة. التفاوت قائم بلا ريب. ولا يمكن إطلاق حكم موحّد. التراجع قائم أيضاً.
5 و6- كوة ضوء في هذا الجدار؟
كل الجدران، حتى جدران القلاع العسكرية وجدران الفصل العنصري وجدران الطوائف والسجون إلى انهيار. لكن متى وكيف؟ هذا هو السؤال. وهل يجب الانتظار حتى تتداعى من تلقائها؟ أم البدء ولو بالحفر بالإبرة أو بالريشة والقلم أو بتسليط الضوء على المشكلات والإمكانات؟
يمكن الحلم…
يمكن الحلم بنظام مدني قائم على المساواة في المواطنية والانتماء، لا يمس بحرية التدين وشؤون العبادات، لكنه يضع حداً لصيغة التقاسم والمحاصصة. علماً أن النظام المدني الذي سيرث هذه البنية وهذا التاريخ لن يكون حلاً سحرياً.
الأحلام عديدة وواسعة في مجالات الحياة الفكرية والفنية والعلمية. لكن الكلمة السحرية في تصوري هي اللقاء والتبادل والعمل المشترك.
هناك مثلاً المراكز الجامعة، مراكز التعارف والتبادل واللقاء، سواء أكانت تجارية أم علمية وتربوية أم اجتماعية أم فنية وترفيهية. وكلنا يعرف الخراب الاجتماعي الذي أوقعه تدمير وسط البلد في الحرب الأهلية “المعلنة”، وهو الذي كان مركز تفاعل وتبادل واندماج. كما نعرف ما أوقعته حواجز الخوف التي قسمت البلد شرقية وغربية.
العمل في عكس اتجاه الحرب يتطلب، في المقابل، تفعيل أو تنشيط مواقع اللقاء ومؤسسات اللقاء. وفي مقدمة ذلك دعم المدارس الرسمية ورفع مستواها، وفتح المدارس جميعها على البيئة الوطنية، الإنسانية والطبيعية والمهنية فضلاً عن العلوم التطبيقية، بنشاط مشترك وبلا خطابات، بنسبة ما تسمح الأعمار وحاجات التعليم.
وهنا الأحجية: التعارف واللقاء والتبادل، تحتاج إلى السلم والأمان لا إلى الارتياب والخوف. والسلام الحقيقي يحتاج إلى التعارف واللقاء والتبادل.
من أين نبدأ؟ ¶












