حازم صاغيّة
– 13/01/09//
يستغرب المرء، في موجة التحريض المتمادي، غياب كلّ كلام نقديّ، بل هجوميّ وتهجّميّ، عن قاعدة عيديد الأميركيّة في قطر، أو عن مكتب التبادل التجاريّ بين الدوحة وتلّ أبيب والذي لن يُغلق، حسب رئيس حكومة قطر، إلاّ مع قيام إجماع عربيّ!
لا يقال الكلام هذا حبّاً بالمناكفة والمهاترة، ولا حتّى بالسجال الرفيع. وربّما كان موقّع هذه الأسطر يتفهّم السلوك القطريّ كطريقة ارتآها القطريّون في خدمة مصالحهم الوطنيّة، أو ما يرونه كذلك. بيد أن موضع الاستهجان يطاول التوظيف السياسيّ المعمول به لمأساة غزّة خصوصاً، ومآسي الفلسطينيّين عموماً، وصولاً إلى التشكيك بالكثير من العواطف التي تُستحضَر معلّبة، وبالصراخ الذي يأتي على الطلب.
ومنذ 1948، حين شجّع زعيم عربيّ وفداً فلسطينيّاً جاء يسأله رأيه في القتال، قائلاً إن «المطلوب فقط بضع مكانس لكنس اليهود»، حتّى اليوم، لا تزال المسألة هي نفسها، على رغم التردّي الهائل الذي أصاب شروط الوفاء بها وبلفظيّتها البانوراميّة.
والحال إن بعض الحقائق لا ينطلي على عقل نملة إن فكّرت، ولا على عقل فيل إن تأمّل. غير أن الحقائق تلك صارت تتعالى على التشكيك، بل تخون الاستغراب البسيط كما لو أنّها من طبيعة الأشياء. فكيف، مثلاً، يقترن تصاعد القوّة العسكريّة الإيرانيّة إلى حدّ يقلق الدنيا، أو بعضها، باستنكاف إيران عن التدخّل المباشر ضدّ إسرائيل، هي التي يبرّر أتباعها سياساتها في مراكمة القوّة بالخطر الذي تشكّله الدولة العبريّة؟ وإذا كان في وسع «حزب الله» أن يحقّق «نصراً إلهياً» في لبنان، فهذا ما يخوّله تحقيق انتصار في غزّة، فلماذا يتعفّف عن مثله؟ وهذا كي لا نذكّر بالتناقض الهائل والفاقع بين التزام سوريّة منذ 1974 باتّفاقيّة «فضّ الاشتباك» مع إسرائيل، وبين الصوت والنبرة السوريّين حيال مواجهة غزّة؟
أما أن لا يترتّب أيّ معنى (وأيّ هتاف في المظاهرات) على «مفارقات» كهذه، فهو ما يقود فعلاً إلى التشكيك بكثير من العواطف السخيّة التي إن لم تندرج في خانة البضائع المصنوعة، اندرجت في خانة مناهضة العقل.
فمأساة غزّة تستدعي من الجميع قول الكلام العاقل الذي ينبغي أن يقال وحده، واستنطاق العواطف التي لا يفارقها العقل فيما يحرّكها وقف الموت والدم، مرّة وإلى الأبد، بدلاً من التلذّذ المازوشيّ (والساديّ عند البعض) بارتفاع رقم الشهداء.
والحقيقة أن الوضع العربيّ بأكمله، بمعتدليه ومتطرّفيه، بقابليه وممانعيه، غير قادر، منذ 1973، على الانخراط في «حروب مصيريّة»، وأن الواجب الأخلاقيّ يتطلّب من العرب، المعتدلين منهم والمتطرّفين، أن يقولوا هذا الكلام لغزّة ولمن يقاتلون في غزّة حرصاً على دماء ينبغي ألاّ تُهدر، وكلُّ دم ينبغي ألاّ يُهدر.
على أن الفارق بين العجز الفعليّ عن خوض الحروب وبين اللغة التي تمضي في حضّ الفلسطينيّين على الحرب هو أوضح مرايا البؤس الحاليّ والشامل الذي يتعدّى السياسة إلى الثقافة والاجتماع والأخلاق. وهذا البؤس إسمه اللعب بدماء أهل غزّة الذي آن له أن يتوقّف كي يتفكّروا، ونتفكّر، في مسائل لم يعد مقبولاً أن نوسّع بحيرة الدم الفلسطينيّ كي نهرب منها.




















