تم تسجيل هذا الحديث مع الكاتب والمفكر والسيميولوجي الفرنسي رولان بارت في 23 و24 تشرين الثاني من العام 1970 على اثر مشروع سلسلة تلفزيونية بعنوان "وثائق من القرن العشرين" كان يديرها جان ـ جوزيه مارشان لصالح "شركة سينما أو.أر.تي.أف" وأجرى مارشان المقابلة بالمشاركة مع دومينيك بارودان وهي بقيت غير منشورة حتى اليوم، وقد نشر منها هذا المشهد ما يشكل واحداً على عشرة من عدد الأسئلة المطروحة واجابات بارت عنها، ننقل منها الى العربية هذه المقاطع:
[ كيف وصلت الى النقد الأدبي؟
ـ اعتقد انني لم امتلك هذا الاحساس يوماً بأنني سوف اختار النقد الأدبي وما حصل انه وبواسطة صديق مشترك كان يدعى فورنييه التقيت به في جامعة لايسن وكنت احبه كثيراً وقد مات من وقت قصير.
تعرفت الى موريس نادو وكان يدير في ذلك الوقت (العام 1947) الصفحة الثقافية في "كومبا" او "نضال"، وكان لها مكانتها كما تتذكرون. قدمت الى نادو نصاً حراً جداً وكنت قد كتبته حول رأيي في مشكلة الأسلوب الأدبي من دون ان يطلبه مني احد. وأعتقد انه كان النص الوحيد الحر لي اذ بدأت بعدها اكتب في موضوعات تطلب مني مسبقاً. اهتم نادو بالنص وطلب مني ان اعطيه ايضاً موضوعين او مقالين صغيرين ايضا للمجلة "كومبا" التي كانت لها قيمتها الأدبية في تلك المرحلة. وما اعطيته اياه في مقالين اولين يمكن ان اقول انهما كانا المسودة الأولية او الجنين او البرعم لما سأكتبه بعد حين في كتابي "الدرجة صفر في الكتابة". في ذلك الوقت، لم أكن استوعب تماماً ان ما اكتبه هو النقد. وما اصبح يهمني ويشغلني منذ تلك المرحلة (وهنا اظن انه يمكنني ان اقول ذلك لأنني اتهمت كثيراً فيما بعد بأنني غير مخلص لأفكاري وبأنني اغير مواقفي وأجيب بالعكس وبأنني كنت اعرف ما اعنيه مند البداية) وهنا بدأت مشكلة اللغة.
اللغة صارت الاهتمام الكبير في حياتي وما ان بدأت الكتابة حتى شعرت بأنني توجهت الى اللغة مباشرة، وهذا قد يدل على الالتباس الكبير في النقد اذ حين بدأت الكتابة النقدية لم تكن مشكلة اللغة مدروسة في هذا الاطار، وبعدها انا مع مجموعة صغيرة، بدأنا نكتب النقد الأدبي المقرون بدراسة اللغة في النقد ايضا.
هذه المقالة الأولى كانت ذات اهمية قصوى، اتذكر ذلك ولكن يبدو لنا انك لم تتأثر بقوة بهذا النجاح بمعنى انك لم تستغل ادبياً هذا الألق الفكري الذي طغى على المناخ الثقافي.
ـ ما تقوله صحيحاً وفي الواقع انني بعد مقالتين رئيسيتين في هذا الاتجاه تركت فرنسا وسافرت لأعمل حيث درّست مادة اللغة الفرنسية في رومانيا وبعدها في مصر، وعرض نادو عليّ عند عودتي العمل وثيقة كبيرة طلب مني ان اكتب من جديد لمجلة "كومبا" وحول الموضوع عينه، وأنا اعتبر انه في هذه المرحلة فقط ارتسمت طريقي في الكتابة. وفي هذه الأعوام وتحديداً في الأعوام 1947 و1948 و1949 هناك ثلاثة رجال تركوا اشد التأثير فيّ وساعدوني ورسموا الطريق لي في البداية لأننا كلنا نعلم ان البداية هي التي تساعد في المضي في اي مشروع، قبل الجميع موريس نادو يليه ريمون كينو الذي كان يعمل لدى "دار غاليمار" وهو الذي طلب مني ان اجمع مقالات مجلة "كومبا" في كتاب تحضيراً لنشره وهذا ما حصل بالفعل مع ان اول مخطوط لي "الدرجة صفر للكتابة" كانت قد رفضته "دار غاليمار" وبالتالي توجهت الى "دار منشورات سوي" التي قبلت بنشره، اما الرجل الثالث فهو البير بيغان من مجلة "ايسبري" الذي اهتم ببداياتي بعاطفة كبيرة.
سنوات
[ سبعة اعوام تفصل زمنياً ما بين المرحلة التي عرفت فيها بمقالاتك في "كومبا" وصدور كتابك الاول "الدرجة صفر للكتابة". هل كنت تكتب طول تلك السنوات؟
ـ لا، لم اكتب خلالها بل كنت امارس مهنة التعليم وبالتالي فقدت اي اتصال بالوسط الثقافي الباريسي وبالتالي فقدت اي اتصال بالكتابة. ولكن في مصر وخلال السنة التي قضيتها في الاسكندرية كنت اعمل في مكتبة الجامعة على متابعة قراءة اي شيء عن ميشليه وكنت احضّر لأكتب عنه دراسة. ثم عدت الى باريس وتحديداً الى مكاتب وزارة الشؤون الخارجية ثم عملت في الادارة العامة للشؤون الثقافية، وهذا يعني انه لم يعد لدي الوقت الكافي فكنت اقرأ قليلا ولا اكتب، بل كان عملي يختصر ببعض المدونات حول "ميشليه". في النهاية، ومع انني دخلت في ظروف عملية مادية مرهقة مع العمل المكتبي الذي هو اساساً ليس مرغوباً على الاطلاق من قبل انسان يرغب العمل الثقافي والفكري الا ان هذا القرار كان ايجابياً واذ تعرفت الى اشخاص ساعدوني في الكتابة من جديد.
مدخل قاس
[ شكل كتابك الأول مدخلاً قاسياً وواثقاً، الى اي حد كانت ثقتك بنفسك كبيرة؟ وهل استوعبت تماماً في حينه الى اي حد وقفت في وجه السائد آنذاك، ذاك السائد الذي كان يعرف عنه بالوجودية وبالشعر المجازي؟
ـ انه سؤال صعب، بخاصة مع هذه المسافة الزمنية التي تجعلنا غير قادرين على التذكر من كنا. وقد أعطيك جواباً مزدوجاً ومتناقضاً الى حد ما: على الصعيد الشخصي لم أكن على ثقة كبيرة بنفسي ولم أكن أدرك تماماً ما أقوم به وكنت شديد القلق وغير مطمئن. وأذكر جيداً انه حين تأكد لي ان كتاب "الدرجة الصفر للكتابة" سوف يطبع عن "دار منشورات سوي" اي ان العجلة دارت وكل شيء سار الى الامام، وجدت نفسي مساء امشي وحيداً على "بولفار سان ميشال"، هنا في باريس، وفي رأسي فكرة ان تلك الحماقة أو تلك الفكرة الناقصة سوف تنشر ويفضح امرها أمام عيون الجميع، وشعرت فجأة بخجل داخلي عميق وهائل واعتقد ان وجهي أصبح أحمر بقوة حين طرأت على رأسي فكرة الإصدار والنتائج المخزية التي ستلحق بانتشار الكتاب. ولكن، من ناحية ثانية أي في الشق الثاني من جوابي المتناقض ـ وهذا يحدث ما أن نبدأ بإخراج الحدث من النطاق الشخصي والفردي، وبالتأكيد هنا كنت واثقاً من نفسي لأن الزمن كان زمن "الأنا" المثالية السارترية والماركسية، ولأنه في اليوم التالي للتحرر، شكلت السارترية والماركسية القاعدتين الأساسيتين للعمل الثقافي، وهاتان الفلسفتان تدعوان بقوة الى ما عرف بـ"الإلتزام"، وأنا كنت مسحوراً بفكرة "الإلتزام" وإنطلاقاً من هنا، كنت مقتنعاً بأن نصيّ "الدرجة الصفر للكتابة" هو جزء من نشاط "الإلتزام" الايديولوجي وأنا أمنّت الطريق لنضال ونقد ايديولوجيين في مستوى الطبقة البورجوازية. في هذا الإطار كنت أشعر بالثقة، تلك الثقة التي لم أكن امتلكها على الصعيد الشخصي.
حفاوة
[ استقبل كتاب "الدرجة الصفر للكتابة" بحفاوة لا مثيل لها. وهل النقد هو الذي وضعك في مصاف بولمان وبلانشو في تلك الآونة، أم ان هؤلاء المفكرين هم فعلاً اثروا في نشأتك الفكرية؟
ـ آه، لا ودائماً سأعطيك اجابة حزينة ومخيبة ولكنها الحقيقة: في تلك المرحلة، لم أكن بعد قد قرأت بولمان وكنت أجهل كل شيء عن بلانشو أيضاً حتى انني لم أكن أعلم أصلاً بوجودهما.
في العمق، الكاتب الوحيد المعاصر الذي كنت أعرفه جيداً كان سارتر مع "ماركس في 18 برومر" (أو الشهر الثاني من روزنامة الثورة الفرنسية). يمكن ان اتحدث عن هذا الاثر في كتابي وأيضاً يمكن الحديث عما صار يُسمّى اليوم "تداخل النصوص" وهو تعريف أفضل من "التأثر بأحد".
[ وأسلوب اللغة والكتابة والعلاقة الأدبية ـ التاريخية وكل ما قيل عن نص "الدرجة الصفر للكتابة"، كيف تنظر اليها اليوم؟
ـ أعتقد بأنه صار هناك إعادة لتحوير كل التسميات والتعريفات. في تلك المرحلة، كنت اسمي "الأسلوب" "نوعاً من الكلام الحميم" أو أيضاً "بيولوجيا الكاتب" و"الكتابة" كنت اسميها "لغة جماعة" أو "لغة طبقة معينة"، اليوم صرنا نتحدث عن كتابة "الأزمنة المعاصرة" وكتابة "إيسبري"، والمواقف انقلبت تماماً وصارت كلمة كتابة تعني "ما فوق المعنى" وهذا يصعب تحديده أو تفسيره، ويصعب شرحه ولكن باختصار لم تعد الكتابة "لغة جماعة من المجتمع" بل هي "نشاط يحمل المعاني المؤثرة والشديدة التحرر وهي تذهب أبعد بكثير من الأسلوب". إذاً حصل ما يمكن ان نختصره بتعبير تلاحق أو تتابع تطورات وما كنت افهم به شرحاً لكلمة "كتابة" صار أبعد مما كنت انسبه للكلمة "أسلوب".
(في اليوم التالي للمقابلة، اراد بارت ان يشرح أكثر فكرته حول نفس السؤال).
ـ السارترية والماركسية كانتا تفكران بقوة بالإلتزام السياسي والإلتزام الايديولوجي أو الفكري أو بكلام آخر الإلتزام بالأفكار والتصرفات لكنهما لم تفكرا أبداً بالإلتزام الخاص بالشكل، أو بشكل الكتابة واللغة. وفي العمق، أردت في "الدرجة الصفر للكتابة" ان املأ هذا الفراغ وان اعرض اول اقتراح حول مسؤولية الشكل واللغة. هذا وبخط عريض ما اردت قوله. الآن، هل تغيرت الأمور؟
أقول بأنها لم تتغير… ما تغير فعلاً هو التحليل للغة الأدبية: وقد ظهرت أفكار جديدة لمجموعة صغيرة اعتنت بهذا السؤال لكن الفكرة الأساسية تبقى هي هي.
حذفتهم
[وكيف تفكر اليوم بالنقد الذي قال انك لم تذكر بعض الأسماء في كتابك مثل آرتو، وباتاي وفرانسيس بونج؟
ـ أقول لك الجواب عينه: لقد حذفتهم ببساطة لأنني لم أكن قد قرأتهم بكل بساطة!
[ وماذا تعني لك فكرة ان يكون لك اتباع؟
ـ آه، بالنسبة لي لا أعرف تماماً واعتذر منهم سلفاً إذ لا أفهم تماماً ماذا ستؤثر هذه الأمور على مؤلفاتي. في الواقع، لا أعرف ما سيكون مصير كتبي أو كتاباتي بعد موتي، أو بعد حين، وهذا سؤال يمكن ان نصفه، كما يقول الالسنيون: بالوقح أو الجريء وأنا لست وقحاً في هذه الأمور.
[ وكيف تفهم هذا الحديث الذي يجري اليوم؟
(…) أظن انني سأستخدم هنا نظرية لدريدا حول "الكلمة الملفوظة والكتابة" لأصف ما أفكر به. فالكلمة الملفوظة ليست الكتابة ولا تملك نفس الوقع الوجودي والسميولوجي والتاريخي أيضاً. ومن هنا، وعلى الأقل في حياتي اليومية، فأنا أفصل بقوة بل بما يشبه العملية الجراحية ما بين نشاطي الكتابي ونشاطي الكلامي. وبالطبع، فإذا الكتابة بالنسبة لي هي نشاط مقرون باللذة، فالكلام ليس على نفس الخط، لأن النشاط الكلامي يجب ان يخضع الى قوانين الحياة الاجتماعية وحتى الجامعية في محاضراتي اليومية ولكن أقول بأنني لست دائماً على ما يرام في هذا النشاط الأخير (اي الكلامي) ولكن مع هذا يجب عدم رفضه لأن ذلك سيجعلنا في الواقع أشخاصاً غامضين وسريين وصامتين وغير قابلين لعيش اللعبة الاجتماعية.
شخصياً، أنا أمارس هذه اللعبة الاجتماعية كل يوم ولكن على مضض، ولكن أضيف هنا ان هذا الانزعاج نتيجة اللعبة الاجتماعية هو الذي يتسجل في لعبة الكتابة في المعنى العريض لكلمة الكتابة.
وبالتالي فالمقابلة التي أجريناها هنا في كل ما تحركه من مشكلات قديمة حول الصدق والدقة والحقيقة والأكاذيب في مواضيع قديمة نسبياً تدخل في سياق فضاء كلاسيكي وتحليلي لكل كلمة يجب ان يتركها الكاتب منه أثراً بعد رحيله.
"المستقبل"




















