عاد الزميل جهاد الزين من رحلة عمل الى العاصمة الاميركية واشنطن هدفت الى متابعة وتغطية بعض الانشطة الديبلوماسية والبحثية وبصورة خاصة المتعلقة بلبنان وسوريا والعراق ومصر وفلسطين والشرق الاوسط عموما.
وبناء على مواعيد مسبقة بواسطة السفارة الاميركية في لبنان، التقى في وزارة الخارجية الاميركية في واشنطن كلا من السيدة مارا رودمان نائبة المبعوث الاميركي الخاص للشرق الاوسط السيناتور جورج ميتشل ورئيسة فريق موظفي المبعوثية في وزارة الخارجية والمكلفة بهذه المهمة من الوزيرة هيلاري كلينتون والى جانبها السيدة سحر خوري كينكانون المساعدة الرئيسية في مكتب المبعوثية. كذلك التقى السيد جون ب. دوروشيه مدير مكتب الشؤون العراقية ثم السيدة نيكول د. شامبين مديرة مكتب شؤون مصر والمشرق (Levant) في وزارة الخارجية. ورافقت الديبلوماسية في قسم الصحافة في ادارة شؤون الشرق الادنى في الوزارة أميرة اسماعيل الزميل الزين في هذه اللقاءات.
كما أدارت في وقت آخر السيدة آلان ليبسون مديرة “مركز ستيمسون” البحثي في واشنطن لقاء مع الزين شارك فيه عدد من الباحثين والخبراء الاميركيين في عدد من دوائر الشرق الاوسط من مراكز أبحاث مختلفة هم هنري باركي الاستاذ في جامعة ليهاي والباحث المتخصص في الشؤون التركية في مؤسسة كارنيغي، وروبرت غرينييه من المؤسسة البحثية “أي آر. جي. بارتنر” وكريم سادجادبور المختص في الشؤون الايرانية والباحث في مؤسسة كارنيغي وكايت سيلي نائبة الرئيس لشؤون الاتصالات والبرامج في “مؤسسة الشرق الأوسط” (ميدل ايست انستيتيوت) والباحث اندرو تابلر في “مؤسسة واشنطن للشرق الأدنى” والباحث في الشؤون العراقية نبيل التكريتي في “جامعة ماري واشنطن” ومنى يعقوبيان المستشارة في “مؤسسة الولايات المتحدة للسلام” وأندرو هوك من مركز ستيمسون.
في هذا اللقاء تبادل الزميل الزين طرح الاسئلة والآراء والتقييمات و”الاختلافات” مع وعلى الخبراء المشاركين.
وفي وقت لاحق التقى الزين الدكتور ستيف هايدمان أحد نواب رئيس “مؤسسة الولايات المتحدة للسلام” والاستاذ في جامعة جورجتاون والباحث السياسي في قضايا العالم العربي ومؤلف كتابين معروفين حول تطور سوريا الاجتماعي – الاقتصادي – السياسي المعاصر وآخر حول البنى السياسية في الشرق الاوسط.
… إضافة الى تغطيات ونشاطات أخرى بينها حضور حفل منح جوائز تكريم من وزيرة الخارجية الاميركية لشركات اميركية عاملة في دول نامية وبينها شركة عاملة في رام الله والضفة الغربية (وغزة) في ظل “الشراكة” مع “السلطة الوطنية الفلسطينية”.
هنا تقرير عن حصيلة هذه الحوارات يُكتب وفقا لاتفاق مسبق حسب “قاعدة شتهام هاوس” التي لا تنسب الآراء لأشخاص محددين وإنما تنقل جو الحوارات.
لا تشبه قوة الكلام في دعم “المحكمة الخاصة من اجل لبنان” في واشنطن… سوى قوة الكلام ضد هذه “المحكمة” في طهران! فإذا كان الديبلوماسيون الاميركيون الذين يتاح لزائر واشنطن لقاؤهم بين مكاتب وزارة الخارجية المكتظة حريصين على لهجة عالية وحاسمة في موضوع ضرورة صدور “القرار الظني” ثم انعقاد المحكمة، فإن هذه اللهجة تبدو بالارتفاع نفسه بل حتى احياناً أعلى في اوساط معظم الخبراء والباحثين الاميركيين المنتشرين في المراكز البحثية المعنية بقضايا الشرق الاوسط ولبنان.
في هذا المناخ المتصلّب، الرسمي وغير الرسمي، حول مسألة “المحكمة” يمكن للمراقب ان يلاحظ:
1 – انه سواء قيل الامر مباشرة او غير مباشرة، فهو انعكاس للصراع الايراني – الاميركي الذي يسيطر على النظرة السائدة الاميركية للوضع في لبنان.
2 – لهذا لا يشعر المراقب ان فكرة تلافي “الحرب الاهلية” الداخلية كنوع من التسوية الواقعية المطروحة بين “المحكمة” و”الاستقرار” يجري التسليم بها بسهولة في اوساط محدثيك الاميركيين، ديبلوماسيين وباحثين حتى ان البعض قد يسارع في حال تشديدك على أولوية تلافي الحرب الاهلية الى اتهامك فوراً بالـ”رضوخ لارهاب منطق حزب الله”. لكن العديدين عندما يتجاوز الامر هذا السجال يعمدون الى سؤالك بهدوء: الى اي حد تعتقد ان “حزب الله” يقوم بعملية “بَلْف” في تهويله بخطر الانفجار اذا صدر “القرار الظني”؟
3 – الى حد بعيد، بل ربما بشكل كامل، لا تزال اللهجة السلبية او التشكيكية التي يسمعها الزائر في الاوساط الديبلوماسية الاميركية حيال سوريا مرتبطة او ناتجة عن تعقيدات النظرة الاميركية الى السياسة الايرانية في المنطقة بما فيها لبنان. فقبل اعلان توقيع الرئيس باراك اوباما على تعيين السفير الاميركي في دمشق، يتكوّن لدى الزائر في لقاءات وزارة الخارجية الانطباع ان الشكوى الرئيسية، ان لم تكن الوحيدة، من السياسة السورية هي استمرار تمرير القيادة السورية عبر الاراضي السورية لاسلحة “نوعية” لـ”حزب الله”، ويلفت النظر كم تتكرر صفة “نوعية” في وصف هذه الاسلحة… باعتبارها – في الخطاب الاميركي – سبب الاستياء في واشنطن من دمشق الذي ظهر فجأة في الاشهر الاخيرة وانعكست جديته – اي الاستياء – في تبنيه من قبل “صديق سوريا” السيناتور جون كيري.
4 – قرار تثبيت السفير في دمشق يعزز المعلومات التي تتناقلها بعض المصادر القريبة من وزارة الخارجية الاميركية والتي تقول ان الاتصالات غير المعلنة بين ادارة اوباما ودمشق لم تنقطع خلافاً لما كان يبدو في الظاهر وبصورة خاصة في فريق السيناتور جورج ميتشل، المبعوث الخاص للشرق الاوسط الذي يبدو منشغلاً في ملف التسوية الفلسطينية الاسرائيلية بشكل اساسي. لكن نائبه فردريك هوف قام ببعض الزيارات السرية الى دمشق في الفترة الماضية، في سياق من الواضح انه ادى الى اعادة تحسن في العلاقات.
المهم هنا انه لا شكوى يمكن سماعها في واشنطن في موضوع السلام مع اسرائيل كمبرر لتوتر العلاقات مع سوريا. وحتى لو ان نظرية “رفض مكافأة النظام في سوريا” الموروثة من العهد السابق، عهد الرئيس جورج دبليو بوش لا تزال حاضرة بصورة كبيرة وتحول ربما دون تقدم اكبر في العلاقات الثنائية، فإن موضوع هذه النظرية لم يعد كما كان في السابق متصلاً بملفات مختلفة وانما اصبحت محصورة عملياً بكل ما يتعلق بالملف الايراني، باعتبار ملف “حزب الله” العسكري اللبناني جزءاً منه.
واذا كان قريبون من وزارة الخارجية الاميركية حريصين على التشديد على ان جهود البحث الاميركي – حتى التفصيلي – في ملف السلام السوري – الاسرائيلي لم تتوقف وهي مستمرة فليس هناك انطباع يمكن ان يتولّد في اجواء هذه الاوساط عن اي احتمال لاختراق في هذا الملف يسبق الملف الفلسطيني – الاسرائيلي قابل للتوقع.
في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، وفي اكثر ايامه تطرفاً، سادت نظرة الى موضوع “الجولان” على ان اي عمل او حلّ يؤدي الى اعادته لسوريا سيشكل “هدية” للنظام السوري. وكما اشرنا اعلاه فإن هذه النظرة مستمرة التأثير رغم ان ادارة الرئيس اوباما قد كسرتها جزئياً لفترة في عدد من المواضيع: منها العلاقات الثنائية ومنها الملف اللبناني.
الخطورة ان تكون هذه النظرة، او “نظرية المكافأة” اي ضرورة “عدم مكافأة النظام في دمشق” على سلوكياته السياسية سيما الممانعة لواشنطن، لا تزال تلعب دورها في الملف الاساسي المتعلق بالتسوية السلمية لتغطية التصلب الاسرائيلي. فإذا كان الرفض الاسرائيلي اصبح مفضوحاً في مساهمته في عرقلة مسار التسوية مع الفلسطينيين، المعتبر الملف الاول في الصراع العربي – الاسرائيلي، فإن الحكومة اليمينية الحالية في اسرائيل لا تشعر بأي ضغط ملحّ يدفعها الى الذهاب في تفعيل ملف السلام مع سوريا.
عند هذه النقطة ثمة غموض يستشعره الزائر في اللقاءات بين تركيز الديبلوماسيين الاميركيين الدائم على ملف “حزب الله” في لبنان على المستويين السياسي والعسكري وبين عدم حماس الخطاب الاميركي الفعلي لاي دور مباشر لسوريا في تهيئة مناخ تجاوز او حتى حل لهذا الملف. على الاقل عدم اعطاء الانطباع بوجود إلحاح لدور سوري في حل مباشر – او سريع؟ – له. هذا اذا لم نتحدث عن “الحل السوري” المنشود في هذا الموضوع بعد فشل الحلول الاسرائيلية (2006) واللبنانية (2008) والدولية حتى الآن (1701 و”المحكمة”). أكثر ما يمكن أن يسمعه الزائر هو تكرار الكلام العام عن السعي لإبعاد سوريا عن إيران!
كل هذا و”هاجس حزب الله” يمكن ان يصل بأحد الباحثين الاميركيين (وهو شخص رصين وباحث جدي) الى السؤال التالي فجأة:
“… وماذا لو امتلك “حزب الله” امكانات نووية بصورة من الصور”!
كان تعليقي – وليس جوابي – على السؤال مع الزميل (والزميلة الاميركية) انه اذا كان الامر يصل الى هذا الحد الكابوسي بالنسبة لقوة تابعة للنفوذ الايراني في منطقتنا، فلماذا عدم اعطاء اولوية ملحة لـ”الحل السوري”… الذي على الأقل يُحوّل “حزب الله” في حال تبنيه (اي تبني الحل السوري) من مشكلة في لبنان الى “مشكلة” لسوريا. لكن قاعدة هذا “الحل السوري” واضحة: سلام سوري – اسرائيلي يعيد الجولان المحتل بكامله الى السيادة السورية واسس هذا الحل حتى التقنية جاهزة منذ عهد الرئيس بيل كلينتون.
فيأتي الجواب: هذا مخطط (A) وماذا بعده؟
الجواب البديهي، ايضاً الذي لا اظن ان ايران تستطيع ان ترفضه ببساطة عندما يتعلق بمسألة استراتيجية بالنسبة لمستقبل بل حتى لبقاء حليفها السوري: تحييد تام للبنان في ظل الاستعادة السورية لاراضيها المحتلة في الجولان. هذا هو منطقياً مخطط (B).
هنا ينتقل النقاش الى التوجهات الايرانية في حلقات تقييم الباحثين الاميركيين:
ألم يظهر من ماضي، الماضي القريب، النظام الايراني رغم سيطرة المحافظين الاكثر تشدداً عليه، قابلية للبراغماتية العالية؟ هناك مثلان، واحد مضى عليه الوقت وهو ان ايران المعادية لاميركا كانت اول دولة تفتتح سفارتها في كابول فور اقصاء القوات الاميركية وحلفائها لنظام “طالبان” والثاني شديد الاهمية ومستمر وهو المتمثل بـ”الحلف غير المقدس” القائم في العراق الحالي بين ايران وواشنطن والذي ظهر بأكبر تجلياته الواقعية في تكريس حكومة نوري المالكي كمعبّر عن هذه الثنائية الاقليمية – الدولية والمرتكزة على المثلث الداخلي القوي: مرجعية السيد السيستاني – الاكراد بحزبيهما الرئيسيين – المالكي. واذا كان الديبلوماسي الاميركي المعني يبتسم حين يُقال له ما الذي يمنع نوعاً ما من هذه التفاهمات مع ايران في لبنان وعبر سوريا طالما انكم “تفعلونها” في العراق؟ ألا تفعل المملكة العربية السعودية حالياً شيئاً من هذا القبيل في لبنان وان كانت تستبعده عراقياً حتى الآن؟! أليس هذا التمايز “اللبناني” – وليس في المنطقة التي تشارككم السعودية تماماً ضغطكم على ايران فيها – هو الذي يجعل الديبلوماسيين الاميركيين المعنيين يمتدحون الموقف المصري “الحاسم” في دعم “المحكمة الخاصة من اجل لبنان” بينما تبدو علامات التحسّر على “التردد” السعودي حيالها؟ يجيب “المصدر” الديبلوماسي الاميركي بأن هذه السياسة في العراق هي لصالح الشعب العراقي واستقراره عبر دعم قيام حكومة وحدة وطنية. لكن من السهل الرد على هذا المنطق: ولماذا لا يكون كذلك في لبنان لصالح الشعب اللبناني الذي يخشى اندلاع الحرب الاهلية؟ ام لان الاولوية الاميركية في العراق هي لتأمين انسحاب هادئ عام 2011 وتثبيت مصالح نفطية ضخمة بدأ تنظيمها لتشهد ازدياداً كبيراً في الطاقة الانتاجية – اساساً – كما في التصدير الى حد كلام الدكتور حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة في الحكومة الجديدة ووزير النفط السابق والرجل الرئيسي في تنظيم وتنفيذ استراتيجية العقود الجديدة مع الشركات الدولية… كلامه عن ارقام من شأنها خلال سنوات ان تنافس الانتاج السعودي نفسه؟
احد الاجوبة المهمة التي لها معنى دقيق ويسمعها الزائر من بعض الخبراء هي ان الولايات المتحدة كدولة عظمى، لا تستطيع التهاون في موضوع “المحكمة الخاصة” لان الامر يتخطى لبنان نفسه ويتعلق بسياسة عامة على المستوى العالمي لها معاييرها والتزاماتها؟
على ان هذا النوع من المحاججات التفصيلية والاشمل لا تلغي ان بامكان الجزء المتعلق بالتفاهمات الواقعية التي تقيمها واشنطن هنا او هناك مع بعض اعدائها كما مع ايران في العراق، بامكانه بالنسبة للدولة العظمى ان يتعايش مع خط ضغط استراتيجي على ايران. لعل اطاره الاكثر سخونة هو الخليج والعقوبات الاقتصادية لمنع ايران من امتلاك سلاح نووي. وهو ضغط تقوده اميركا واوروبا باسم “النظام العالمي” ويبدو ان العديد من فصوله تدور حالياً بشكل غير معلن… منها “كساد” بعض كميات نفط ايرانية معروضة في “اعالي البحار” بأسعار جعلتها عروض خليجية (سعودية – اماراتية – كويتية) مرتفعة جداً لان هذه العروض الخليجية جاءت بأسعار مخفضة لا تُقاوم.
اذن لا بد من تكرار السؤال في نهاية هذا التقرير:
ما الذي يمنع واشنطن من ان تساهم في تحويل “حزب الله” من مشكلة في لبنان الى “مشكلة بناءة” لسوريا؟
وهذا سؤال لا يصح طرحه الا على الادارة الاميركية وحدها..!
“النهار”




















