![]() |
| الوزراء العشرة للمعارضة يعلنون استقالتهم من الحكومة خلال مؤتمر صحافي في الرابية أمس. (وسيم ضو) |
بعد 14 شهراً من تأليفها في 9 تشرين الثاني 2009 تحت اسم “حكومة الوحدة الوطنية”، وبعد تحولها واقعياً منذ زهاء ثلاثة أشهر “حكومة شلل وتعطيل” بفعل احتدام الأزمة الداخلية حول موضوع “شهود الزور” المتفرع من ملف المحكمة الخاصة بلبنان، سقطت حكومة الرئيس سعد الحريري أمس بضربة دستورية قاضية وجهتها اليها قوى 8 آذار التي تمكنت من استقطاب الوزير عدنان السيد حسين الى وزرائها العشرة ليشكلوا الثلث زائداً واحداً الضروري لاعتبار الحكومة مستقيلة.
وإذ حرصت قوى 8 آذار على أن تقرن هذا التطور بطابع المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة عبر تزامن استقالة وزرائها مع استقبال الرئيس الاميركي باراك أوباما لرئيس الحكومة سعد الحريري بجعله “رئيساً سابقاً” للوزراء في لحظة دخوله البيت الأبيض، فان خطوتها أشعلت استنفاراً أميركياً ودولياً غير مسبوق، إلا ربما في حالة سابقة واحدة هي ظروف إصدار القرار 1559، علماً ان الاستنفار الجديد للأسرة الدولية ومعظم الدول العربية والاقليمية المؤثرة تمحور على التشديد على المضي في دعم المحكمة الخاصة بلبنان والاستقرار الداخلي فيه، في ما يشبه رسم خطوط حمر واضحة أمام المتاهة الجديدة التي انزلق اليها لبنان. وقد أفرزت المعادلة الجديدة الناشئة عن إسقاط الحكومة ملامح سياسية – حكومية طويلة المدى لخصتها أوساط واسعة الاطلاع لـ”النهار” بعاملين أساسيين:
العامل الأول يتمثل في أن “صمود” الرئيس الحريري أمام أنواع الضغوط التي تعرض لها وعدم تراجعه عن التزامات لبنان حيال المحكمة الخاصة بلبنان، جعلاه يحظى بصدقية كبيرة لدى القوى المتحالفة معه في فريق 14 آذار داخلياً ولدى الدول الخارحية، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان نجاح أي تطوير لخطة المعارضة لاحقاً لمنع عودته إلى رئاسة الحكومة، كما بدأت تلمح المعارضة. ناهيك بأن السعي إلى قلب معادلة الغالبية والأقلية لمصلحة 8 آذار يبدو ضرباً من التسرع وهو محفوف بمحاذير كثيرة، إن على مستوى التمثيل النيابي والسياسي، أم على المستوى الطائفي والمذهبي.
أما العامل الثاني، فيتمثل في شعور المعارضة بأنها نجحت في الاختراق الأول باسقاطها الحكومة، مما سيجعلها تطور هذا الهجوم السياسي إلى خطوات ضاغطة أخرى تشبه إلى حد ما مسألة “التفويض” التي حصلت خلال عهد الرئيس اميل لحود للانقلاب على الرئيس الراحل رفيق الحريري.
وفي ضوء هذين العاملين، تقول الأوساط نفسها إن أحداً لا يتملكه وهم أن الأزمة المفتوحة ستفضي إلى نهايات قريبة، خصوصاً أن المعارضة جعلت إسقاط الحكومة ضربة استباقية للمحكمة قبل إصدار قرارها الاتهامي. وهذا التطور سيدفع الأسرة الدولية إلى التزام ما نص عليه نظام المحكمة وقرار مجلس الأمن الذي أنشأها، إن بالنسبة الى تعويض التمويل اللبناني للمحكمة، أم الى سواه من الاجراءات.
لكن أوساط المعارضة لم تكتم من جانبها ان اسقاط الحكومة استهدف شلّ كل الخطوات التي كان يمكن الحكومة ان تتخذها في سبيل المضي في التزاماتها، مما يعني ان الازمة ستطول كثيراً.
وبموجب المادة 69 من الدستور (الفقرة ب) باتت الحكومة في حكم المستقيلة بعدما فقدت اكثر من ثلث عدد اعضائها المحدد في مرسوم تأليفها. وفهم ان رئيس الجمهورية ميشال سليمان ينتظر عودة الرئيس الحريري الى بيروت لاصدار مراسيم اعتبار الحكومة مستقيلة حكماً وتكليفها بتصريف الاعمال الى حين تأليف حكومة جديدة، على ان يدعى الى اجراء الاستشارات السياسية الملزمة من اجل تسمية رئيس الحكومة المقبلة في الظروف التي تسمح باجراء هذه العملية.
ومن المقرر ان يشرع الرئيس سليمان من اليوم في جولة مشاروات سياسية واسعة، وينتظر ان يتشاور مع رئيس مجلس النواب نبيه بري على هامش المأدبة الرسمية التي يقيمها ظهر اليوم في قصر بعبدا على شرف أمير موناكو البير الثاني.
وعلمت “النهار” ان الرئيس سليمان لم يكن في وارد تسهيل استقالة الحكومة باسقاطها، وخصوصا بعدما ابلغه الرئيس الحريري انه لا يمانع في عقد جلسة لمجلس الوزراء كما طالبت بذلك المعارضة، انما بعد تشاوره معه عقب عودته الى بيروت في غضون 48 ساعة.
وبدا موقف رئيس “اللقاء الديموقراطي” النائب وليد جنبلاط مماثلا لموقف سليمان في ضوء التنسيق بينهما، اذ لم يكن واردا لدى جنبلاط ان يستقيل الوزراء الثلاثة لـ”اللقاء الديموقراطي”.
وكانت معطيات قصر بعبدا تشير الى استبعاد استقالة الوزير عدنان السيد حسين، وهو ضمن الفريق الوزاري لرئيس الجمهورية. وعلمت “النهار” ان خطوة الوزير السيد حسين جاءت نتيجة تلقيه اتصالا من المعاون السياسي للامين العام لـ”حزب الله” حسين الخليل الذي ابلغه تحيات الامين العام وتمنيه عليه “ان يحكم ضميره وان يأخذ الموقف المناسب ازاء هذا الواقع المأزوم”.
واعلنت استقالة وزراء المعارضة من الرابية متزامنة مع استقبال الرئيس الاميركي الرئيس الحريري. وتولى الوزير جبران باسيل تلاوة بيان الاستقالة التي عزيت الى “رضوخ الفريق الآخر للضغوط الخارجية ولا سيما منها الاميركية وتجاهل نصائح الطرفين السعودي والسوري”.
وشددت اوساط المجتمعين على ان أي خطوة مستقبلية ستبقى ضمن سقف القانون والمؤسسات، مستبعدة حتى تحريك الشارع أو الاعتصامات. كما لفت في هذا السياق تشديد الرئيس بري على ان “اي خطوة يجب ان تكون في اطار الممارسة الديموقراطية ووفق القواعد الدستورية”، وان “الوضع الامني ممسوك والاستقرار خط احمر”.
في المقابل، تحول اجتماع كتلة المستقبل النيابية اجتماعا لقوى 14 آذار مع انضمام شخصيات وزارية ونيابية وسياسية اليها.
وتحدث الوزير بطرس حرب باسم المجتمعين فاعلن ان “هناك مساومة على مبدأ العدالة ومعرفة مصير من ارتكب الجرائم السياسية”، مؤكدا رفض هذه المساومة ولكن مع الانفتاح على الحوارات التي يمكن ان توجد حلا لهذه القضية”. واذ افاد ان قوى 14 آذار ستعقد اجتماعا موسعا عقب عودة الحريري، وصف استقالة وزراء 8 آذار بانها “دفعت البلاد الى حال تخبط”، ودعا قوى 8 آذار الى “تحمل مسؤوليتها في عدم دفع البلاد الى حالة من عدم الاستقرار الامني.
وقالت مصادر المجتمعين لـ”النهار” ان خطوة وزراء 8 آذار بالاستقالة تعتبر انقلاباً على سياسة اليد الممدودة وحسن النية التي مارسها الرئيس الحريري عبر حكومة الوحدة الوطنية. واعتبرت ان ما ادلى به الوزير حرب لا يعكس موقف كتلة المستقبل فحسب وانما قوى 14 آذار وهو موقف يرتكز على ثوابت التمسك بالمحكمة وتحقيق العدالة وتثبيت الاستقرار السياسي والامني على اساس اتفاق الطائف والعودة الى المؤسسات وسيلة للتخاطب والحوار والمعالجة، مع الترحيب بأي جهد عربي يبذل في هذا الاطار. واوضحت ان الخطوات المقبلة ستتبلور فور عودة الحريري وفي ضوء ما سيحمله عن نتائج محادثاته في نيويورك وواشنطن وباريس. وعلم ان الحريري اتصل بالرئيس فؤاد السنيورة وأطلعه على اجواء محادثاته واطلع منه على نتائج اجتماع الكتلة، كما تشاور الحريري مع النائب وليد جنبلاط.
وفي ردود الفعل الدولية على إسقاط الحكومة، جاء في بيان للبيت الأبيض عقب لقاء الرئيس أوباما والرئيس الحريري أن “جهود المعارضة التي يقودها حزب الله لاسقاط الحكومة اللبنانية تؤكد فقط خوفهم وتصميمهم على منع قدرة الحكومة على القيام بأعمالها لتحقيق تطلعات الشعب اللبناني بكامله”.
وكان أوباما عرض الوضع في لبنان خلال اتصال هاتفي مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي يتعافى من جراحة أجريت له في نيويورك.
وفي الدوحة، أكدت وزيرة الخارجية الاميركية التي التقت أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني ونظراءها في دول مجلس التعاون الخليجي، إن إسقاط الحكومة اللبنانية “لن يجدي نفعاً” ولن يؤدي إلى تقويض المحكمة التي “ستستمر” في عملها.
وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية فيليب كراولي بأنه لن يكون هناك قطع فوري للمساعدات الاميركية للجيش اللبناني وان واشنطن ستنتظر أي نوع من الحكومات ستتألف بعد اسقاط الحكومة الحالية.
وفي نيويورك، أكد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون في بيان “دعمه التام للعمل المستقل للمحكمة الخاصة بلبنان”.
وفي باريس، أعلن قصر الاليزيه في بيان ان الرئيس نيكولا ساركوزي أجرى محادثة هاتفية مع الرئيس السوري بشار الأسد تناولت “الوضع على الساحة اللبنانية بعد التطورات الأخيرة داخل الحكومة اللبنانية”.
وأضاف ان الرئيس الفرنسي اكد “دعمه للسلطات والمؤسسات اللبنانية” وأمل ان تساعد المشاورات الدولية اللبنانيين على تخطي هذه المرحلة الدقيقة ضمن الاحترام التام للمؤسسات الديموقراطية اللبنانية، واستقلال لبنان والتزاماته الدولية”. واثنى “على الحوار المستمر التي تقوم به فرنسا مع سوريا، على اعلى المستويات الذي تمثل اخيرا في زيارة الرئيس السوري لفرنسا في 9 كانون الاول الماضي”.
ومن ناحية ثانية، وجه الرئيس الفرنسي رسالة الى الرئيس ميشال سليمان أكد له فيها “دعمه للرئيس اللبناني للقيام بمهماته الدستورية”. كما اكد “مجددا من خلاله للشعب اللبناني قوة روابط الصداقة التي تربط بين الشعبين” الفرنسي واللبناني.
وسيستقبل ساركوزي اليوم الساعة 7:15 مساء في قصر الاليزيه الحريري، وسيتشاور معه في آخر المستجدات على الساحة اللبنانية. وكان المسؤولان التقيا الاثنين الماضي في نيويورك.
وفي انقرة، أمل وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل بعد محادثات مع نظيره التركي احمد داود اوغلو في عدم اسقاط الحكومة اللبنانية، محذرا من ان لبنان عندها يمكن ان “يواجه المشاكل التي واجهها سابقا وذلك سيؤثر على دول المنطقة”.
وأكد داود أوغلو ان تركيا ستبذل “كل ما في وسعها” لايجاد حل سلمي للأزمة.





















