ما من مرة، خاصة على مدى السنة ونصف الماضية، كان الخطاب الفلسطيني على إيقاع واحد متناغم؛ كما هو الآن. نفس الأولوية. ذات القاسم المشترك. لا مطلب ولا شرط يتقدم على أسبقية الوقف الفوري لنار العدوان الإسرائيلي الغاشم. كافة القوى والتوجهات، تقاطعت عند هذا الهدف. كل ما عداه تراجع وتوارى. وكان ذلك من المتوقع والطبيعي. ما عاد يستقيم الخلاف على شيء أو موقف أو أمر، في ضوء إصرار النازية الجديدة على مواصلة محرقتها.
غياب مثل هذا الموقف الوطني، كانت كلفته عالية. المصيبة جمعت بين المنقسمين. التحدّي، أن يتطور هذا التلاحم، بحكم جريمة العدوان؛ إلى جسر عبور نحو وحدة وطنية فعلية متماسكة. من تقارب آني، إلى برنامج وطني الوضع الفلسطيني، مرّ في ظروف قاسية. بل مصيرية. منذ الانقسام بين غزة ورام الله والشرخ يتعمّق، بين الجانبين.
كل محاولات التقارب والجمع والحوار، تعثرت وفشلت. وما كان من الواضح ملاحظته، أنه بقدر ما كانت الفجوة تتوسّع، بقدر ما كانت عدوانية إسرائيل تتمادى. انشغال الساحة الفلسطينية بحالها، سهّل على إسرائيل استباحتها. تجلّى ذلك على أكثر من صعيد. الانفلات الاستيطاني، ضرب أطنابه. انفلات المستوطنين المتطرفين، هو الآخر، سجّل مستويات جديدة؛ في التعدّي على البشر والشجر. ثم كان الحصار المقيت.
وبعده كانت الذروة في نار الجحيم التي فتحها العدوان الإسرائيلي البربري، على غزة. الآن، ثمة سباق محموم بين التحرك للتوصل إلى وقف المجزرة؛ وبين إصرار آلة القتل الصهيونية على المضيّ في جريمتها. فهي تهدّد بالمزيد من الضرب «بيد من حديد». وكأن ما سفكته من دماء، حتى الآن، لم يكن كافياً. ماكينتها العسكرية منفلتة بكل جنونها ضد المدنيين، الذين يكثر الحديث عن استخدام أسلحة محرّمة ضدّهم.
لكن على بشاعته ونازيته، ثمة وجه آخر لهذا المشهد. دولياً هناك قرار دولي تمّ استصداره من مجلس الأمن. حتى من دون تصويت أميركي عليه. وحتى برفض إسرائيل له.
كما هناك رد فعل رائع، عالمي وعربي؛ كان التعبير عنه بتظاهرات يومية، في معظم مدن وعواصم العالم. الإدانة، عابرة للقارات. وهي مرشحة للمزيد من تعبيرات الضغط والاستنكار. منظمات حقوق الإنسان بدأت في إعداد اللوائح لمحاكمة إسرائيل والعمل على استصدار مذكرات جلب بحق مسؤوليها، بتهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسان.
الظرف ناضج ومواتٍ، لتحويل الفاجعة إلى رابط وطني؛ يغلق صفحة الماضي، ليعود بالوضع الفلسطيني إلى حضن الوحدة الوطنية. فرصة لا يجوز التفريط بها. العدوان النازي يفرضها. وأصلاً مصلحة القضية توجبها.



















