1
في الحروب، عادة ما تنفجر أسئلة كثيرة قبلها.. وأسئلة أكثر بعدها.
لماذا يجب أن نخوض هذه الحرب؟ هل نحن أقوياء بما يكفي للانتصار؟ هل العدو قادر على الهزيمة؟! هل سنكون في ما بعد الحرب في وضع أفضل مما كنا عليه قبل الحرب؟ هل ستردع هذه الحرب عدوّنا عن الاعتداء علينا وإيذائنا بما هو أشد لاحقاً؟ ثم: هل كسبنا الحرب؟ هل قضينا على قوة عدوّنا وردعناه بما فيه الكفاية؟ هل كان يمكن تلافي خسائرنا في الجنود والأسلحة؟ هل كان يجب أن نخوض تلك الحرب؟!
الإجابة الأكثر وضوحاً وهيمنة على هذه الأسئلة هي «الحرب» نفسها! لذا عادة ما تتوقف أثناء الحرب قذائف الأسئلة لتحلّ بدلاً منها قذائف الأسلحة.
2
في حرب غزة الناشبة الآن، تشتعل حرب الأسئلة العربية أكثر من الأسلحة العربية، لأن العرب تهرّبوا من إثارة الأسئلة المنطقية قبل اندلاع الحرب، ظناً منهم أن الأسئلة المنطقية كثيراً ما تفجر إجابات غير منطقية، سرعان ما تتحول إلى ثورية/ ثأرية!
3
دعونا نحاول الآن السير في حقل ألغام أسئلة الحرب على غزة:
* هل كانت «حماس» تنتظر النصر على إسرائيل بإطلاقها تلك الصواريخ العبثية التي قتلت كل مبادرات السلام والتهدئة مع إسرائيل.. لكنها لم تقتل إسرائيل؟
* هل كانت مبادرات السلام والتهدئة حية حقاً، حتى تقتلها صواريخ «حماس»؟
* هل ظنت «حماس» أن لديها من القوة ما يمكن أن تواجه به وحشية التسلح الإسرائيلي، أم أنها محاولة انتحار؟
* هل كان الفلسطينيون يعيشون في رغد من العيش والسلام يمنعهم من التفكير بالانتحار؟
* هل عرف تاريخ البشرية أن هناك «مقاومة» تفوق أو توازي القوة المحتلة أو المعتدية؟
* هل كانت المقاومة التي دحرت نابليون أقوى من جيوش نابليون وتجهيزاته وفنونه العسكرية؟
* لماذا اعتبرت المقاومة في فيتنام شاهداً دائماً على دحر القوة والجبروت الأميركيين.. رغم فبركات رامبو؟!
* ما الذي جعل صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية تعلن أن «الصقور الإسرائيليين يريدون تحويل غزة من سجن في الهواء الطلق إلى مقبرة»؟
* هل كان صحافيو «لوفيغارو» يعلمون أكثر من بعض الصحافيين العرب أن التهدئة كانت تهدف إلى تحويل الفلسطينيين من محكومين بالاعدام إلى محكومين بالسجن مدى الحياة، هذا إن عاشوا تحت التجويع وغياب التمريض؟
* ألم نسمع من قبل أن محكوماً بالسجن مدى الحياة قد التمس لدى المحكمة رغبته في تحويل الحكم عليه من السجن مدى الحياة إلى الاعدام، باعتبار أن السجن مدى الحياة هو إعدام للحس البشري، وتحويل السجين إلى بهيمة يأكل وينام حتى يموت؟!
* هل يُلام الفلسطينيون في «سجن غزة» على مسعاهم للهروب من السجن مدى الحياة، حتى لو أدى ذلك إلى الموت؟
* ألا يمكن لنا التخلص من أعراض التحيز لـ «انهزامية» محمود عباس أو «اندفاعية» خالد مشعل، واتخاذ موقف محايد مبني على سردية القضية الفلسطينية طوال 60عاماً؟
* هل لا بد أن نكون «مع» أو «ضد» بصورة كاملة ومطلقة، فنقبل كل ما تفعله «حماس» أو نرفض كل ما تفعله «حماس»، وبالمثل مع «فتح»؟
* هل يُستساغ أن تكون «حماس» مفرغة من الحماس، أو تكون «فتح» خالية من أي هاجس للفتح؟!
* هل يُعدّ سؤالاً منطقياً ذلك الذي أطلقته سيدة فلسطينية مكلومة أمام شاشات التلفاز: أين أسلحة الدول العربية، متى سيستخدمونها إذا لم يستخدموها الآن؟ وإذا عدّه البعض سؤالاً منطقياً، فهل يمكن لأحد أن يمتنع عن الإجابة غير المنطقية؟!
* في ظل تشفّي بعض العرب بهزائم وقتلى «حماس»، هل يمكن لأي عربي ساذج أن يكون ما زال مؤمناً بأكذوبة «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»؟!
* إذا كان من المفهوم أو المزعوم، سيّان، أن الأحادية في الرأي والاقصائية هي قانون الحوار مع الأصوليين، فما الذي يبقى لدى الليبراليين من ميزة إذا تخلّوا عن الإيمان بالتعددية وتقبل الآخر وعدم التشفي بالأشلاء، ثم تناسي الشعار الخالد بأني لا أتفق معك في رأيك لكني مستعد أن أبذل حياتي في سبيل أن تتاح لك الفرصة للتعبير عن رأيك؟!
* هل أصبح محسوماً أن «المقاومة» هي صنو التخريب والجنون، وأن «الواقعية» هي صنو التحضر والتعقل؟!
لست مجنوناً، لكني لست «عاقلاً» بما يكفي لأعتبر أن «هولوكوست» غزة هو بسبب أخطاء «حماس» أكثر مما هو بسبب خطايا إسرائيل!
لست فتحاوياً ولا حمساوياً، لكني ما زلت أتوق إلى «فتح فلسطين بحماس». («الحياة» – 6/2/2008).
4
(قال الشاب «الطبيب» لجده العجوز: هل تشعر بأي ألم؟ أجابه الجد: نعم، ولكني سأتوقف عن الشعور بهذه الآلام عندما أموت. ولذا فإني كل صباح عندما أستيقظ وأجد فيّ الآلام أفرح بها.. لأنها تشعرني أنني ما زلت حياً).
إذاً فالذين لا يتألمون هم المعافون دوماً أو الميتون..
والسؤال الأخير، في أسئلة الحرب:
هل يجرؤ العرب الذين لا يحسّون بآلام هذه الأيام، الزعم بأنهم معافون؟!
* كاتب سعودي
ziadalhayat@hotmail.com
"الحياة"




















