عبدالله اسكندر
بعد أسبوع يكون الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما قد تولى القيادة في البيت الابيض. وعلى مكتبه تتكدس الملفات الملتهبة داخل الولايات المتحدة، خصوصاً الأزمة الاقتصادية والمالية. وأيضاً ملفات السياسة الخارجية التي ترثها الادارة الجديدة عن الرئيس جورج بوش الذي اعترف بنفسه انه لم ينجح في حل أي منها. وتالياً، لن تكون امام ادارة اوباما ملفات أكثر إلحاحاً من غيرها، لا بل قد تجد نفسها مضطرة الى التعامل مع كل المشكلات الموروثة كأولويات، بما فيها الوضع المتفجر في الشرق الاوسط، بفعل العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة والمذابح التي يرتكبها الجيش الاسرائيلي، خصوصاً في حق المدنيين وتدمير البنية التحتية الحياتية في القطاع.
لقد أعلن اوباما، خلال حملته الانتخابية وبعد انتخابه، كما اعلن فريقه دائما وكبار المسؤولين الاميركيين المرشحين للعب ادوار في الادارة المقبلة، ان الحلول العسكرية للمشكلات التي تواجهها الولايات المتحدة اثبتت محدوديتها، وانه ينبغي التوجه نحو اعتماد الحلول الديبلوماسية واستنفادها. وينطبق هذا الأمر على الشرق الاوسط الذي قال اوباما إنه سيكون ايضاً بين أولويات ادارته. إذن، ستكون الديبلوماسية هي الاداة الاولى في التعامل مع مشكلاتنا، بما في ذلك ايران وسورية وبالتأكيد النزاع العربي – الاسرائيلي، بما فيه المسار الفلسطيني.
وفي انتظار التسليم والتسلّم في البيت الابيض، ستكون احداث وتطورات قد حصلت. ولن تتردد اسرائيل، صاحبة القوة على الارض والمبادرة العسكرية في القطاع، في السعي الى تحقيق المكاسب الميدانية والسياسية وخلق وضع لا رجعة عنه، عندما يتوقف اطلاق النار وتبدأ المحادثات مع الادارة الاميركية الجديدة.
وعلى الجبهة العربية، لا تزال الأمور تدور في الحلقة المفرغة نفسها، بعد الفشل في الاستفادة من ديناميكية القرار الدولي الرقم 1860 والفشل في التعامل مع المبادرة المصرية لوقف النار، ووقف تدمير ما بقي في القطاع من البشر والحجر. والأيام القليلة المقبلة الفاصلة عن القمة العربية الاقتصادية في الكويت، ستشهد جدلاً عربياً – عربياً في شأن كيفية معالجة الوضع في القطاع، ويتركز الجدل على حضور قمة استثنائية او الاكتفاء بمجلس وزاري. وفي الحالين من المستبعد الخروج بقرار جماعي يعيد الوضع في غزة الى اطاره الاساسي، كنتيجة للعدوانية الاسرائيلية وايضا كنتيجة لانسداد افق السلام. بدلاً من ان يستخدم هذا الوضع، في ظل المآسي والكوارث التي تحل بالفلسطينيين، من اجل «تثوير» الشعوب العربية وحملها على مناهضة سلطاتها بتهمة «التواطؤ مع العدوان»، ودفع «حماس» الى رفض المبادرات السياسية، في رهان على «ثورة جماهيرية» تحمي سلطتها وتوسّعها الى الضفة والى بلدان الجوار العربي. وقد تكون هناك خطورة كبيرة لقراءة مغلوطة لما حصل في الايام الماضية من اطلاق صواريخ من لبنان واطلاق نار من سورية ومن ثم الاردن على اسرائيل، بعد امتعاض في مصر.
هذه الاحداث المتفرقة التي يمكن ان تُفهم دوافع الغضب وراءها، لن تكون لها أي تتمّة، ما دامت السلطات في بلدان الجوار المعنية تلتزم التزاما تاما بالاتفاقات التي وقعتها للتهدئة مع اسرائيل، وتحرص كل الحرص على الا يؤدي حادث فردي الى اعادة النظر في هذه الالتزامات. بكلام آخر، لن تخرج ثورات الغضب عن اطر التحريض الذي يتغافل عن المعطيات الفعلية للأزمة وكيفية التعامل معها: بين تصعيد الخطاب وبين الاستفادة من الاوراق الديبلوماسية.
في مثل هذه الحال، قد لا يكون الوضع العربي مستعدا الى ملاقاة الديبلوماسية الاميركية في شأن القضية الفلسطينية. وستكون لعدم الاستعداد هذا نتائج سلبية جدا على القضية والفلسطينيين، في ظل استمرار تمسّك واشنطن بحل الدولتين ونظرتها الايجابية الى المبادرة العربية، وفي ظل مساعي اسرائيل لتدمير اساس حل الدولتين ونسف مساعي السلام، عبر خلق وقائع جديدة، ميدانية وسياسية. ومن الواضح ان «حماس» التي لم تعترف بالمبادرة العربية، ولا بعملية السلام، لن تكون معنية بالعملية الديبلوماسية المتوقعة. في حين ان رهان حلفائها الاقليميين يتركز على الحوار مع الادارة الاميركية الجديدة وملاقاة ديبلوماسيتها.



















