«هدف العمليّة هو إطاحة حركة «حماس». (حاييم رامون، وزير إسرائيلي)
عندما سمعت عبر الراديو سياسيّاً إسرائيليّاً يطالب باستئصال حركة «حماس» من قطاع غزّة، فكّرت للوهلة الأولى أن تلك الفكرة أتت على لسان شخصٍ يصبّ تركيزه على الانتخابات التشريعيّة الإسرائيليّة المتوقّعة في 10 شباط (فبراير) المقبل، عوضاً عن الواقع الوحشيّ والقاسي والمروّع في غزّة.
لا شكّ أن المؤرّخين سيسجّلون تزامن القصف الاستثنائيّ والعديم الرحمة الذي نفّذته الطائرات الإسرائيليّة على قطاع غزّة المكتظ بالسكّان مع مرحلة ما قبل الانتخابات الإسرائيليّة. وتشير استطلاعات الرأي في إسرائيل إلى أن الناخبين المستائين والمحبطين بفعل الصواريخ وقذائف الهاون التي تبدو وكأنها تنطلق من دون انقطاع من زوايا شاغرة في غزّة (وهي ممارسات أعارضها بشدّة) يؤيّدون الضربات الجويّة ويساندون حكومتهم أكثر فأكثر.
ويمارس رئيس الوزراء السابق بنيامين نتانياهو ضغوطاً متواصلة على إيهود باراك لتشديد الضربات على غزة. وأظنّ أن تسيبي ليفني اعتبرت أن فترة نهاية السنة هي الوقت الأنسب للقيام بتحرّك عسكري واسع.
وفي مجمل أقطار العالم، يدرك القادة السياسيّون أن المكاسب العسكريّة المبكرة هي في غاية الأهميّة بالنسبة إلى الرأي العام. لكنّهم يعلمون أيضاً أنّ آراء الناس متقلّبة وأن النزاعات تحدث تغيّرات كبيرة في الأولويّات والفرص السياسيّة.
وقد سُجّل في الأوساط الإسرائيليّة عدد آخر من التعليقات المستغربة. إذ قال الوزير حاييم رامون، وهو نائب رئيس الوزراء إيهود أولمرت الذي يواجه تهم فساد أرغمته على التنحي عن منصبه: «سنوقف إطلاق النار فوراً إذا تولّى أي طرف الحكم في غزة، ما عدا «حماس». كذلك صرّح إيهود باراك أن إسرائيل تخوض «حرباً شاملةً ضدّ حماس». وفي هذه الأثناء، زعم نائب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال دان هارئيل: «بعد هذه العمليّة، لن يبقى أي مبنى لـ «حماس» في غزّة».
كتبت في صحيفة «الحياة» عقب فوز «حماس» في 25 كانون الثاني (يناير) 2006 بستةٍ وسبعين مقعداً في المجلس التشريعي، مقابل ثلاثةٍ وأربعين لحركة «فتح»، في انتخابات اعتبرت إحدى أكثر العمليات الانتخابيّة نزاهةً في العالم العربي آنذاك: «إنها («فتح») خسرت الانتخابات ليس لأنّ الجميع بات اليوم مولعاً بـ «حماس»، لكن لأنّ السلطة الفلسطينيّة السابقة فقدت سيطرتها على مجريات الأمور، وباتت منهارة وفاسدة وتخضع للمصالح الخاصة».
لا شكّ أن الكثيرين من الإسرائيليّين يعتقدون أنّ استخدام هذا القدر الكبير من القوّة العسكريّة خطوةٌ صائبةٌ، وأنه إذا تمكّنت القوّات الإسرائيليّة من توجيه ضربة قاسية بما فيه الكفاية لـ «حماس»، فسيعمد الناخبون في غزّة إلى إبعاد سياسيي «حماس» والالتفات بأعداد كبيرة نحو حركة «فتح». لكنّي أشكّك في ذلك كثيراً وأتوقّع أن يتضامن سكّان غزّة مع حكومتهم المُنتخبة عندما تواجه مثل هذه الوحشيّة الإسرائيليّة. فالناس لا يتقبّلون أن يملي عليهم أشخاص من خارج منطقتهم هويّة المرشّحين الذين سيصوّتون لهم، خاصةً بعد مئات الضربات الجويّة ضدّهم، أدت إلى مقتل أكثر من 900 شخص. وقد يفاجأ البعض في إسرائيل بأن الفلسطينيّين يتصرّفون كأشخاص سليمي العقل.
من الصعب العثور على أمثلة عن حكومة مُنتخبة في بلد ما تستخدم الموارد العسكريّة الموضوعة في متناولها لإطاحة حكومة مُنتخبة في منطقةٍ مجاورةٍ لها. لكنّ إسرائيل تتباهى بممارساتها الديموقراطية، وقد ادّعت لسنوات أنها الديموقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط. وأدرك تماماً أنه تم إبعاد حركة «فتح» عن قطاع غزّة، لكني أعلم أيضاً من فاز بالانتخابات في مرحلة سابقة.
يقول الوزراء الإسرائيليون اليوم إنهم هم من سيقرّر هويّة الجهة التي ستحكم غزّة، عوضاً عن الناخبين في القطاع. فهل هذه الطريقة التي سيسير فيها العالم في سنة 2009؟
* سياسي بريطاني ونائب سابق في مجلس العموم
"الحياة"




















