إذاعة هولندا العالمية
24-1-2011
تقرير: محمد أمزيان – إذاعة هولندا العالمية/
“في سوريا لا يحتاج المرء لتهمة كي يدخل السجن. مجرد أنك كردي .. هذه تهمة”. يستعيد الكاتب الكردي السوري وليد خليفة بعض ملامح حياته في “مملكة الرعب” بحسب وصفه لبلده سوريا حيث سجن لسنوات بعد ضبطه بـ ’الجرم المشهود‘ وهو يكتب شعارات مثل ’نعم للحرية‘ و ’لا للجوع‘. وحتى لا يعود مرة أخرى للكتابة هشم رجال الأمن أصابعه وقالوا له: بإمكانك الآن أن تكتب!
حزام عربي
فرصة مغادرة سوريا جاءت مباشرة بعد الإفراج عنه من السجن. كان عليه أن يتنقل بين كل أقسام الأجهزة الأمنية، وهي كثيرة في سوريا، لكي يشرح للأمنيين تاريخ وأسباب وحيثيات اعتقاله وسجنه. كانت الأجهزة تعمل بشكل مستقل عن بعضها البعض. ولذلك قرر أن يغادر البلاد. “فرصة المغادرة كانت محاولة لولادة جديدة. لم يكن ذلك خيارا. غادرت سوريا بعد تجربة سجن، بعد أسبوع من إطلاق سراحي لأنه لا يمكن أن تبقى في بلد لا حقوق لديك فيه”.
الأكراد في سوريا لا وجود قانونيا لهم، لا يحق لهم الحديث بلغتهم ولا إطلاق أسمائهم الخاصة على أبنائهم. حتى قراهم عربت وحملت أسماء لا دلالة لها بتاريخ الأكراد ولا تراثهم. كل ما هو كردي محظور، يؤكد خليفة.
“جزء من الأكراد ’أجانب‘ حسب الوثائق الرسمية، وجزء آخر يسمون ’مكتومين‘ بحيث لا يتوفرون على أية وثيقة رسمية. الحزام العربي في سوريا يتمثل في التهجير وتغيير الهوية وملامح المنطقة وتغيير أسماء القرى والمدن. أنا من قرية اسمها كنكلو، تحولت إلى الزهراء. أطلقت أسماء الأندلس القديمة وأسماء فلسطين على القرى الكردية”.
ويذكر خليفة أن التحدث بالكردية في المكان العام كان في السبعينات وبداية الثمانينات يؤدي إلى السجن. “والدي دخل السجن عدة مرات لإصراره على التحدث بالكردية”. كان مجرد بلاغ يكفي كدليل ليدخل الكردي السجن. “إذا كـُتب عنك تقرير بأنك تتحدث بالكردية في مكان عام أو شهد عليك موظف حكومي، تدخل السجن بحكم عرفي لمدة ستة أشهر”.
إلا إن انشغال السلطة السورية بالمواجهات”الدموية” مع جماعة الإخوان المسلمين من جهة، وبالمواجهات الأخرى على الجبهتين اللبنانية والفلسطينية خفف الضغط على الأكراد قليلا من حيث تطبيق عقوبة السجن بسبب التحدث باللغة الكردية، ولكن بقيت مشاريع التعريب الأخرى والحزام العربي سائرة على قدم وساق.
’كاتب عمومي‘
يوضح خليفة أن الأكراد في سوريا لم يكونوا في الماضي “غائبين عن المشهد السياسي ولا عن مطالبتهم بإقامة دولة”، كما كانت لهم مشاركة سياسية في البرلمان بعد الاستقلال والفترة الديمقراطية الوجيزة التي تلتها، إلى أن جاء مشروع الوحدة بين سوريا ومصر:
“حدثت الوحدة بين سوريا ومصر سنة 1958 وبدأ حينها المشروع القومي العربي في سوريا. دخل عبد الناصر لسوريا كضام لها وليس كمتحد معها. قضى على الحياة السياسية والتعددية في سوريا. كل من يحاول القضاء على التعددية في سوريا يبدأ بالأكراد لأنهم ثاني قومية فيها”.
تعلم وليد خليفة (39) الكتابة بالعربية في مدرسة قريته ’كنكلو‘ التي تعني ’قلعة الضحك‘ أو ’الضحك الوافر‘، وحولها التعريب إلى ’الزهراء‘ وهي تابعة لمحافظة ’الجزيرة‘ أو ’الحسكة‘ بالكردية. وبما أنه كان ’يصور‘ بأنامله ما كانت تراه عيناه من حروف عربية، فقد أصبح خطاطا. في دمشق حيث انتقل مع عائلته للإقامة والدراسة، طور مهاراته الخطية ليصبح ’كاتبا عموميا‘؛ يخط لأصدقائه رسائل غرامية، ويكتب على الحيطان شعارات رومانسية موجهة لفتيات الحارة. ثم بعد ذلك انتقل لكتابات شعارات سياسية.
“في عام 1986 وكان عمري 14 سنة، حدثت أول مظاهرة في تاريخ سوريا بعد انقلاب حزب البعث؛ أول مظاهرة للأكراد بسبب منعهم من الاحتفال بعيد النيروز. رأيت الناس تقتل أمامي وشعرت أنني سأقتل أيضا. ومنذ تلك المظاهرة بدأت أكتب الشعارات على الجدران: ’تحيا الحرية‘، ’تسقط الديكتاتورية‘ .. وهي شعارات شاب مراهق، لديه أحلام، رأى الموت أمامه، رأى الخوف في عيون أبيه، في عيون أخوته، فصارت هوايتي أن أخرج في الليل للشوارع لأخطط على الجدران”.
اعترافات
شعارات وليد خليفة الليلية تصبح في الصباح خطوطا سوداء. كان رجال الأمن يغطونها بالصبغ الأسود، إلى أن ضبط متلبسا. ألقي عليه القبض بـ “الجرم المشهود”. كان ذلك في 1993. وفي السجن اعترف بكل شيء، فالتعذيب لم يمنح له فرصة للتفكير. “كل التهم التي ذكرها المحققون أمامي اعترفت بها ونسبتها لنفسي. اعترفت أنني عميل للموساد وأنني تسلمت أموالا من جهات خارجية وما إلى ذلك من تهم مضحكة في الحقيقة. السجن ينمي عبقرية الإبداع والخلق لدى السجين. إلا أنني لم أورط الآخرين معي”.
في نوفمبر 1997 يخرج وليد من السجن “بعفو رئاسي شمل المساجين الذين ليس لديهم تنظيم”. وبعد أسبوع من إطلاق سراحه غادر نحو لبنان حيث عمل في إحدى المطاعم وفي الوقت نفسه يكتب، دون علم صاحب المطعم، لصحف لبنانية مشهورة مثل النهار، ثم غادر لبنان “بسبب الضغوط التي عانيت منها في لبنان من طرف النظام الأمني اللبناني وعناصر حزب الله”، نحو مصر للاستقرار لاجئا (2001) تحت حماية الأمم المتحدة، قبل أن يستقر على ما يبدو نهائيا في فرنسا. أصابع يده لا تسعفه الآن للكتابة باليد، ولكنه يستعين بالحاسوب لإيصال رسالته.




















