الوثائق التي تنشرها «الجزيرة» عن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية مهمة، ليس فقط لأنها تكشف ما تكشف من أسرار وتراجعات وتنازلات فلسطينية لمصلحة العدو الإسرائيلي، ولكنها مهمة لتظهر حجم التغافل والتكاسل العربي الرسمي والإعلامي عن متابعة تفاصيل التفاوض التي كُشف النقاب عنها، ولاسيما لجهة وجود لجنة عربية للمتابعة.. حيث أسئلة الشارع تدور حول ما إذا كانت هذه اللجنة بالفعل على علم بحجم هذه التنازلات، أم إنها غائبة تماماً عن التفاصيل، وكانت تكتفي بما ينقله إليها المفاوض الفلسطيني من عناوين توحي بعكس ما كشفته الوثائق؟.
وفي كل الأحوال، فإن الوثائق المشار إليها ليست هي كل الحقيقة، ولكنها على الأغلب ليست جزءاً سهلاً منها.. وليس مهماً ما كشفته فقط، وما قدمته السلطة من تنازلات، لكن المهمّ فيها أنها جاءت لتقول للشعب الفلسطيني برمته مَنْ كان مع التفاوض، أو مع المقاومة، أو مع كليهما تفاصيل وقائع المفاوضات، ليدرك هذا الشعب أن ما كان يُذاع ويُعلن عن تفاصيل التفاوض ليس صحيحاً، وكان افتراء وكذباً محضاً على الناس، وكان يستهدف كسب الوقت وتصفية المقاومة وإنهاء القضية، وإلغاء حق العودة والقدس، وكان الهدف مشروع دولة بحجم مكاتب السلطة ترفع العلم وشعار الدولة، وليس لها من سمات الدولة، في الجغرافيا ولا في الحدود ولا في الكيان ولا في الشعب، اللهم إلا عَلَم فلسطين يختبئ خلفه الجميع، لأنه الأقدر على أن يظلّل الجميع لو أرادوا؟!..
الوثائق إن كانت جميعها أو معظمها أو حتى بعضها صحيحة لا تعرّي التفاوض فقط، ولا المفاوضين فقط، إنها تضع الشعب الفلسطيني أمام الحقيقة الكبرى التي عنوانها: إن ما يجري التفاوض عليه، هو حقوق الشعب الفلسطيني ومستقبله وأرضه، وليس دولة الشعب الفلسطيني بكل مقوماتها.
بمعنى أوضح وأكثر سطوعاً، ما يجري هو نصرٌ جديدٌ يمنحه المفاوض الفلسطيني للعدو الإسرائيلي على حساب شعب وقضية بأكملها.
فهل يملك أحدٌ أيّ «أحدٍ» حق إهدار هذا الحق حتى لو سراً؟!..




















