نور الانعتاق و الحرية ذاك الذي ينظر من بعيدٍ إلى الأجسادِ و الوجوهِ الشاحبة ذاتِ الأرواح المتهالكة. انتظاره ربما يدومُ لـ أزمانٍ أو أجيالٍ أو عقودٍ, فانتظاره رهنٌ بتلك الأرواح المستترة داخل الأجساد المترعبة التي ما أن تستنشق آه الألم الممزوجة بكل صنوف المذلة و الانتهاك بأصنافه “جسدا و روحا و حقا و كرامة”, يبدأ ذاك النور بالنظر “إليه, إليهم” بنظرة الرأفة و الشفقة, و يبدأ بالاقتراب رويدا رويدا حسب سرعة إرادتهم بالانعتاق و الحرية؛ فكلما زادت رغبتهم و إصرارهم بالانعتاق اقترب منهم ليحوم “حوله, حولهم” يحفزهم ثم يتملكهم تقشعر له أبدانهم يمقتون ذاتهم و أجسادهم المنتهكة؛ يزيد من جرعاتها لتتحول إلى حالة عامة تحفزهم تستنفرهم, تخرجهم عن سكونهم و صمتهم لتنطلق حناجرهم صادحة بـ آهٍ تتلوها آهاتٍ تتلوها دمعاتٍ تتلوها جوهرة يتمنى كل إنسانٍ يحي على هذه الأرض العيش في ظلها ألا و هي “الـحـريـة”, لتنهال بعدها الجموع المرتعبة كالسيل الجارف يقتلع في طريقه, كل أسباب عقده و آلامه و آهاته, تلك السيول التي تزلزل العروش و تخلع الطغاة.
بالأمس القريب تونس و اليوم مصر و ما بينهم من بلدانٍ امتهنت شعوبها الذل و الهوان حتى اطمأن طغاتهم بان ما يحكمون من شعوب ليسوا سوى قطعان يسيرون حسب أهوائهم و رغباتهم, لكن النيران التي التهمت جسد الشهيد محمد البوعزيزي احرقت معها جل قذارات الطغاة العالقة بأرواح الشعوب, و انتقلت من حالة القطعان المنساقة إلى حالة الشعوب الحية النابضة بالحيوية و الحياة “تونس, الجزائر, مصر, الأردن و اليمن” بلدانٌ تحكمُ بقبضة من حديد حال وطننا سورية لكن تلك الشعوب تغلبت على خوفها و نفضت عنها كثبان الخنوع, لتهز عروش طغاتها.
في العصور الغابر و الموغلة في القدم؛ العصور العبودية التي كانت تتسرب إلى عقول شعوبها لتبشرها بأنها خلقت لتكون عبيدا و تسهر على خدمة أسيادها و آلهتها, و لا مفر من الهرب لأنهم خلقوا ليكونوا عبيدا, و مع ذلك لفظوا أسيادهم و آلهتهم التي بشرتهم بأنهم خلقوا ليكونوا عبيدا, ثاروا على إرادة آلهتهم!!!!- لماذا؟ لينالوا و لوا بعكس إرادة آلهتهم؛ أثمن ما يتمناه المرء “الحرية و العيش الكريم” ثاروا لها و انتصروا لها ليعيشوا في ظلها.
فهل للمجتمع السوري الذي وحد الله مسلمين و مسيحيين؛ عربا و كردا, دروزا و اشورا و تركمانا و أرمن و غيرهم, المجتمع الذي اطلع على العلوم الإنسانية و الحضارية؛ صاحب ارض الحضارات, و الذي يملك ما يملك من تراثٍ ديني و إنساني يؤكد له بأنه ليس عبدا و لم يخلق ليخدم أسيادا حاش أن يكونوا ممثلين لله و القيم الإنسانية المتمثلة في العدالة و الحرية إنما هم مدعين. فهل سيظل المجتمع السوري بكافة أطيافه ذليلا خانعا ينظر من بعيد إلى نور الانعتاق و الحرية دونما حراك؛ فيما تنتظر منه بادرة كي تساعده على لفظ مظالمه و أسباب شقائه.




















