عندما بدأ مرض الإيدز بالانتشار عالميا، أواخر ثمانينيات القرن الماضي، رفض الاتحاد السوفيتي وقتها مرارا الاعتراف بوجود حالات إصابة على أراضية، لأن الدعاية الحكومية وقتها كانت تصور المجتمع الاشتراكي بقيادته الشيوعية، في صور مثالية خالية من الأمراض الصحية والاجتماعية، ولكن وأمام إصرار منظمة الصحة العالمية، أصدرت الحكومة السوفيتية بيانا قالت فيه إنهم اكتشفوا بعض حالات الإيدز لكنه من نوع خاص، ولا يشبه الإيدز الغربي الإمبريالي، المكتشف بالدول الرأسمالية.
الاجتهاد السوفيتي في تجميل الحقائق أمام شعبه، يقارب ما تسعى إليه الأنظمة العربية حاليا، على اختلاف توجهاتها، في إطلاق توصيفات خاصة على أزماتها مع شعوبها، بعدما عصفت رياح التغيير كالوباء في المنطقة، فمتطلبات الحرية والكرامة والعدالة والخبز، هي نفسها، وحرمان الشعب منها يولد دائما فيروسا بمواصفات واحدة، لا تستدعي التصنيف.
القراءة الهامة لما جاء في مقابلة الرئيس بشار الأسد مع صحيفة وول ستريت، والتي نشرت أول أمس توحي أن سورية، لا تنوي التغاضي عن سرعة وأعراض الإصابة بعدوى الاحتجاجات، وتدرك مدى تأثير العوامل الداخلية والخارجية على زيادة اليأس الذي يغذي غضب الجماهير حسب ما وصفة الرئيس بشار الأسد، في حديثة مع الصحيفة الأمريكية.
سورية لن تذرف الدموع على النظام المصري ولكن لم تهلل لرحيله أيضا
لا يعتقد أحد أن غياب نظام الرئيس المصري حسني مبارك، أو على الاقل تزعزع أركان حكمه، قد يدمع عيون سورية حزنا، أو أنه سيزعج الرئيس بشار الأسد، هذا إذا ما اعتبرنا غياب نظام مبارك نصرا لدمشق وسياستها الاقليمية وتقوية لمحور بات يعرف بالممانع في مواجهة محور الاعتدال.
فالعلاقات بين البلدين شهدت فتورا، بل وقطيعة واضحة في عدة مراحل، بسبب اختلاف السياسات الخارجية للبلدين. ومع أن سورية لم تبد إشارات واضحة، عن شماتتها أو حتى حماستها عما يجري للنظام المصري في هذه الأيام، إلى أن تصريحات الرئيس الأسد، لصحيفة وول ستريت أعطت تفسيرا سوريا لما يجري في مصر، تفسيرا مبنيا على سبب ركود النظام، وبالتالي تزايد ميكروباته، وعدم تفاعله مع قواعده الجماهيرية، “على الرغم من التغيرات الضخمة التي تحيط بالعالم والشرق الأوسط، بما فيها العراق وفلسطين وأفغانستان”.
في هذا الحديث أشار الرئيس السوري صراحة، إلى عامل نهج السياسية الخارجية في المساعدة على كسب ثقة الشعب والاقتراب من معتقداته، مضيفا “أن موقفه المناهض للولايات المتحدة، والمواجهة مع إسرائيل جعلاه بوضع أفضل مع القاعدة الشعبية” في بلاده.
المتابع لتصريحات معظم قادة الاحتجاجات الشعبية الدائرة حاليا في مصر، ولفحوى عدد كبير من الشعارات المرفوعة في ميدانها وشوراعها ، يدرك فعلا وجود سخط شعبي كبير على سياسة النظام المصري الخارجية، كما يشعر المراقب بأهمية هذا السخط في تحريك الجماهير، فالشعب المصري لم يجن سوى الذل والتبعية من وراء السلام مع إسرائيل، فيما أدركت أغلب النخب المصرية خطأ تحجيم الدور المصري عربيا وإقليميا، بعد انحدار الخط البياني العربي منذ كامب ديفيد وتأثير هذا الانحدار على الأمن القومي العربي والمصري بشكل خاص.
من المؤكد أن الاحتجاجات في مصر وتونس والتي وصفت بالثورات الشعبية، لم تقم فقط بسبب السياسات الخارجية لأنظمة هذه الدول، بل أيضا بسبب سياسات داخلية خاطئة ومتراكمة الأخطاء.
الرئيس بشار الأسد في لقاءه مع الصحيفة الأمريكية، أكد على وجود عاملين داخلي وخارجي يرتبطان باليأس الذي يغذي عادة غضب الناس. واعتبر أن سورية في صف واحد مع شعبها فيما يتعلق بعامل السياسة الخارجية، معترفا في الوقت نفسه بتأخر خطط الإصلاح السياسي، المرتبطة بالعامل الداخلي.
الانتباه إلى أهمية هذا الاعتراف وما يمثله من تحد كبير يواجه سورية حاليا يستدعي الوقوف عند بعض الملاحظات والمشاهدات التالية:
1. هذا الاعتراف، بتعثر خطط الإصلاح يجب أن يوضع ويفسر ضمن تنفيذ سياسة الشفافية والمصارحة، التي يمكن أن يبنى عليها، وتكون منطلقا جديدا لتفعيل هذه الخطط ضمن مناهج ورؤى جديدة.
2. تطبيق مناهج جديدة يتطلب أولا تحديد عوائق خطط الاصلاح السابقة أو المستمرة، ومعالجتها بشكل جذري، والابتعاد عن الاعتماد على المسكنات والحلول الناقصة والبديلة في إنشاء قواعد هذا الإصلاح وبنيته التحتية. مما يضمن الحلول لمشكلة التأخر في إنجاز الإصلاحات بأنواعها خاصة في بناء المؤسسات وتحديث القطاعات، فعامل الوقت هام هنا، كما أشار الرئيس بنفسه، والأمثلة كثيرة عن هذه العوائق والتي يمكن ان تكون موضوع بحث منفصل.
3. ما يحدث في مصر حاليا وما حصل في تونس من قبل، يجب أن يشكل حافزا حقيقيا لتنفيذ الاصلاحات السياسية في سورية، ليس خوفا من انتقال العدوى كما تنذر بعض الأصوات غير البريئة، بل لإدراك حقيقة المتغيرات السريعة ومواكبتها لأن ما بعد ثورة تونس يختلف كليا عما قبلها.
4. الاعتماد فقط على مصداقية السياسة الخارجية في كسب ثقة الشعب، يبقى غير كاف، لأنه وفي هذا العصر الحديث أصبح التداخل والتماهي بين السياسات الداخلية والخارجية حقيقية واضحة، خاصة ارتباط قوة الاقتصاد بالأمن الوطني والسيادة، وارتباط الأمن الغذائي بالأمن الاجتماعي ، إلى ما هنالك.
3. النهج القومي والوطني الذي تنتهجه سوريا اليوم والقريب من نبض الشارع السوري وحتى العربي، يملي عليها أن تحافظ أكثر على الجبهة الداخلية والانتباه إلى متطلباتها، خاصة ان المتربصين كثر، ومن يريد ان يصطاد في الماء العكر، يجهزون أنفسهم، للنيل من سوريا، في كل مرة تتعرض المنطقة فيها لتحولات كبيرة، من لا يذكر أجواء الوعود بالشرق الأوسط الكبير بعد الاحتلال الامريكي للعراق.
4. الرئيس الأسد أشار إلى أهمية أن لا يقوم الإصلاح فقط كردة فعل عما حدث في تونس ومصر، لأن مصير مثل هذه الاصلاحات هو الفشل، وهذا يؤكد أهمية الاعتاد على دراسات شاملة وعملية تتناول جميع القطاعات وبنيتها التحتية. مع الربط بين مكونات الإصلاح ومفاصله بصورة منسقة ومنسجمة، فقضية الإصلاح قد نبدو صعبة ومعقدة وكأنها كتلة ضخمة ومعقدة تحتاج إلى تفكيك وتبسيط، وهذا يذكر بالمثل القائل إذا اردت أن تلتهم الديناصور عليك بتقطيعه أولا إلى أجزاء صغيرة.
5. التأكيد على دور المؤسسات من قبل الرئيس بشار الأسد، يعني وضع قطاع إدارات الدولة في مقدمة خطط الإصلاح، وهدف تحديث وتطوير المؤسسات، يحتاج إلى فرض الشفافية للحد من الفساد، خطط التحديث هذه لا يمكن أن تأتي بصورة ذاتية، أو بانتظار موافقة مدير المؤسسة أو الوزارة المشرفة عليها. التحديث والتطوير المؤسساتي يجب أن يأتي ضمن خطط حكومية ملزمة، بعد إجراء الدراسات الشاملة لكل وظائف ومهام القطاع الذي تنتمي له المؤسسة. فهناك شواهد كثيرة على تعثر تحديث المؤسسات بسبب تداخل وتشابك وظائفها مع قطاعات أخرى أوبسبب الممانعة والعطالة الذاتية، التي تمنع التعاون الأفقي بين المؤسسات.
6. الحد من تدخل الأجهزة الأمنية غير المدروس في شؤون الإدارة الحكومية، يعتبر أمرا حيويا وهاما في المرحلة المقبلة، الإشراف والوصاية الأمنية على معظم مفاصل الحياة الاقتصادية والمؤسساتية في البلاد لا يجلب الأمن للمواطن ولا حتى للنظام، وتقييد القرارات والتوجهات التنفيذية وعاصة الاقتصادية منها، وإجبارها على المرور أولا عبر الممرات الأمنية يعيق تطبيق الاصلاحات، كما أن اعتماد أو الإبقاء على بعض القوانين والتشريعات القديمة بحجة الأمن يمنع استيعاب التقنيات الحديثة والأدوات العصرية اللازمة في تنفيذ خطط التنمية.
7. التعامل الإيجابي مع واقع استخدام الإعلام الجديد ووسائل التواصل والإتصالات الحديثة، وتشجيع المراقبة الذاتية خاصة للشباب، بدل سياسة منع المواقع وحجبها. نشر ثقافة المراقبة الذاتية التي تقوي لا تقوم بتلقين الجديد بل تساعده على تقوية خياراته الصحيحة، والمعتمدة على زيادة الوعي بالقضايا الوطنية والقومية والاجتماعية والأخلاقية، ولإشراكهم بها، بواسطة فتح المجالات للمساهمة في التفاعلات والنشاطات والمنظمات المدنية، حتى يشعروا بقيمة دورهم وما يمكن أن يقدموه للأخرين في الوطن، ومن خلال استخدام نفس الوسائل الإعلامية الحديثة.
“كلنا شركاء”




















