الفكر الجديد للشعب العربي
في هذا المقال أريد كتابة بعض الملاحظات عن تغير الأيديولوجيا الشعبية العربية بعد الانتفاضتين التونسية والمصرية:
1- عن الطبقات “الراقية” و”الطبقات غير الراقية” كما تبدت في الانتفاضة المصرية
لا شك أن اللغة منحازة طبقياً وتتسرب مفاهيم الشرائح المستغلة إلى المستغلين أنفسهم، ولولا هذا التسر ب لما كان هناك الاستلاب أصلاً الذي تعريفه عند كاتب هذه السطور أنه” تبني المضطهدين (بفتح الهاء) لما يقوله المضطهدين (بكسر الهاء) عنهم”.
عندنا حديث قديم عن “العامة” و “الخاصة” كما استوردنا مفاهيم من الثقافة الأوروبية مثل مفهوم “المبتذل” وهو ترجمة للكلمة الفرنسية Vulgaire وأصلها لاتيني هو Volgus وتعني “الشعب”. ونطلقه بلا تفكير على كل تفكير سطحي أو تعبير كلامي لا ينسجم مع الأخلاق الحميدة المطلوبة.عن تغير الأيديولوجيا الشعبية العربية بعد الانتفاضتين التونسية والمصرية
وأوسع استعمالاً من ذلك تمييز حديث بين “الطبقات الراقية” والطبقات الدنيا”، وكثيراً ما تنسب للأولى صفات التحضر والتمدن والثقافة وتنسب للثانية عكسها. وبالمناسبة هذا التمييز هو أيضاً مترجم لا يخفى أصله الأوروبي (upper class/lower class).
يعتبر المجتمع المصري بالذات من أكثر المجتمعات العربية سفوراً في انقسامه الطبقي، وفي مصر يستعمل مصطلح “الطبقات الراقية” بأكثر من غيره بعد أن نجحت الرأسمالية المافيوزية الجديدة في تصفية العلاقات المساواتية التي جلبتها ثورة يوليو 1952 للمجتمع المصري.
هذه “الطبقة الراقية” المصرية فضحت طبيعة “رقيها” الانتفاضة المصرية الأخيرة وأظهرت عبر انفضاح الطابع البلطجي للطبقة الحاكمة أن “الرقي” الحقيقي (إن صح المصطلح بالمعنى الأخلاقي) إنما هو في جانب الطبقات الشعبية الكادحة النزيهة المكافحة حتى الرمق الأخير التي لم ترسل أولادها وشبابها فقط بل أرسلت شيوخها ونساءها وأطفالها الصغار أيضاً إلى ساحة المواجهة مع “الراقين”.
لا تصنع “الطبقات الراقية” المزعومة في بلادنا إلا النهب والتخريب وامتصاص النسغ الاجتماعي الحي، ولا تمانع حتى لو لفظ المجتمع أنفاسه لأنها بطبيعتها ليست من نوع الطبقات التي نشأت على أرضية وطنية بل هي طفيليات تفكر في نهب ما يمكن نهبه وتهريبه للخارج فقط في أسرع وقت ممكن قبل أن تأتي ساعة الانتفاضة والمحاسبة.
2- عن تغير الفكر السائد بعد الانتفاضتين التونسية والمصرية:
تابعت باهتمام تعليقات أهل السعودية بالذات على الانتفاضتين التونسية والمصرية، سواء تلك التي قالها هؤلاء في مكالماتهم التلفونية مع قناة الجزيرة وغيرها أو تلك التي نشروها في الإنترنيت.
ما ألاحظه بكل سرور هو “التطور الصاروخي” في الوعي بالعالم و بالوضع العربي عند هؤلاء. ثمة قفزة نوعية بين المنطق الوهابي التقليدي الذي كان ينطلق منه معظم كتاب الإنترنيت النشيطون من السعودية والمعلقون على الأحداث من المتصلين بالقنوات الفضائية قبل هاتين الانتفاضتين، وكان المعتاد فيه ترداد رؤية العالم كما كان التلامذة يتعلمونها في السعودية في المدارس، و هي مفرطة في التبسيط تقسم العالم إلى فرقة ناجية وفرق هالكة ومن هذه الأخيرة كثير جدا من العرب والمسلمين، مع عدم رؤية ضخامة الخطر الصهيوني الحقيقية واختزاله بتعريفه بأنه جزء من الحرب مع “النصارى واليهود”، وبين ما أراه الآن من تعليقات تنم عن فهم ممتاز جديد لحقائق الوضع العربي والعالمي وإعادة موضعة الأولويات ورؤية المشتركات مع المجتمعات العربية الشقيقة الأخرى.
ولم أفاجأ بذلك في الحقيقة، لأني بتجربتي في عشر السنين الأخيرة الشخصية لاحظت أن الشباب السعودي أكثر من شباب أي قطر عربي آخر في ظمأ للاطلاع على الأفكار المنتشرة في الأقطار العربية الأخرى وفي حالة استفادة متزايدة من تجارب هذه الأقطار. وبعض الإحصائيات تذكر أن السعودية وليس سواها هي أكثر بلد عربي فيه إقبال على القراءة.
يكتب شاعر سعودي شاب يسمي نفسه باسم مستعار نشيداً عن الانتفاضة التونسية:
“”تونسوها” يا شباب..قد أتى فصل الخطاب
واشعلوها أشعلوها..قد مضى وقت العتاب
ليست العتبى لقلب..دأبه نشر الخراب
ما مضى قد كان لكن..في غد نحيي اليباب
تونسوها وأعدوا..واطلقوها واستعدوا
واجهوا الإرهاب صفاً..شمروا فالأمر جد
واطلبوا الرحمن عوناً..من وصاياه استمدوا
دعوة المظلوم حق..ذا نداء لا يرد
تونس بدء المسيرة..من عقول مستنيرة
قد أضاؤوا الدرب حتى..لم يعد في الأمر حيرة
فمحا النور ظلاماً..وغدا في الأرض سيرة
لم نعد نخشى كسوفاً..شمسنا الآن منيرة
إيه يا مصر العظيمة..أنت للثوار ديمة
فاهطلي في القلب عزاً..ثم كوني مستديمة
سيلك الهدار لحن..للنفوس المستقيمة
قد علمنا اليوم حقاً..أن للثورات قيمة”
هذا التغير الجذري في “الوهابية الشعبية” كما كان الفقير لله يسميها في مقالات سابقة رافقته تغيرات في الأيديولوجيا السائدة عربياً مع التجربة التونسية تحديداً. ومن ذلك سقوط المنطق الاستئصالي عند قسم من “العلمانية العربية” ومعه المنطق التكفيري الإقصائي عند “الإسلامانية العربية”. فالفريقان العلماني والإسلامي عوّدتهم الانتفاضة التونسية على منطق جديد حين صاروا يسمعون باستلطاف التنسيق بين حركة النهضة وحزب العمال الشيوعي على أرضية الأهداف الوطنية، وهو شيء لم يكن متصوراً في الفكر العربي قبل ذلك وإن كانت سبقته دعوات لبعض واسعي الأفق من التيارين. ما كنا نراه حتى الآن كان ميل غالب عند “العلمانيين” للرفض المسبق لكل تيار ديني وعدم التفريق بين الغلاة والوسطيين، وفي المقابل كان الرفض المعهود عند الإسلامانيين لكل فكر اشتراكي أو يساري أو علماني أكان استئصالياً أم كان معتدلاً عقلانياً. وكنا نرى ما هو عملياً “حرب أهلية ثقافية” بين الفريقين (كما رأينا في أمثلة من نوع الهجمات الشرسة على القرضاوي بعد أن زورت تصريحاته عن احتفالات عيد الميلاد).
من المؤكد تاريخياً (وإن كان كثير من العرب والأجانب قد نسوا) أن المد الإسلاماني المعاصر بدأ شعبياً مع انتصار نموذج ثورة هو ثورة إيران في نهاية السبعينات، وقبل ذلك كانت الجماهير متدينة طبعاً التدين الإسلامي التاريخي ولكنها لم تكن متوجهة سياسياً وفق الأيديولوجيا الإسلامانية الحديثة، أعتقد الآن أن المزاج الأيديولوجي بعد الانتفاضتين التونسية والمصرية سيتغير في اتجاه إعادة الاعتبار لمفهوم “الأمة العربية” و”البرنامج الوطني” الذي لا يتناقض لا مع الدين ولا مع الفلسفة العلمانية لمن لا يريد أن يكون متديناً. وأحب أن أصوغ ذلك بعبارة أراها أدق: إن تدين العرب الإسلامي ميل ثابت عند الأغلبية ولكن الإسلامانية متحولة، وإن اتجاه بعض الجماعات العربية اللاديني هو ميل ثابت ولكن “العلمانية العربية” تتغير. ويبدو أن علينا أن نقبل بفرضية أن العامل الأكثر حسماً في تغيرات الأيديولوجيا السائدة عند الجماهير هو نجاح التجارب السياسية الكبرى التي تتبنى الجماهير أيديولوجيتها حين ترى نجاحها في تنفيذ ما تصبو إليه. هكذا أصبحت جماهيرنا قومية بعد تأميم قناة السويس وصد العدوان الثلاثي وهكذا أصبحت إسلامانية بعد الثورة الإيرانية وهي الآن تصبح عربية متدينة بدون إقصاء للادينيين بعد التجربتين التونسية والمصرية.
3- الكتلة التاريخية الجديدة:
هذا التغير في الأيديولوجيا السياسية الاجتماعية من شأنه في اعتقادي أن يسهل نشوء كتلة تاريخية جديدة مؤلفة من الإسلامانيين واسعي الأفق والعلمانيين النزيهين المتصالحين مع مجتمعاتهم وشعوبهم للعودة ببرنامج الوحدة والتحرر السياسي والاقتصادي العربي بنسخة أغنى من التي كانت فقد اغتنت بالتجربة في العقود الماضية ليصبح على جدول الأعمال.
* برلين
“النداء”




















