أريد وطنا
زمن طويل وأنا أتجرع عذاب الغربة والتشرد، سئمتني الموانئ والمرافئ، وحقائبي كثيرا ما تمزقت وانفجرت، وانا كالغجر الرحل أضرب بهذه الأرض على غير هدى، أغص امام الخلق والعالم الذين وهبهم الله مساحة من الأرض فعمروها وتعايشوا بها وسقوها بريف العين وسموها وطنا. وأنا أريد وطناً. وطن مترامي الأطراف وقادر أنا على الركض به، والتمرمغ على ترابه مثلما تفعل الخيول. وطن قادر على الصراخ به والرقص به. وطن أكتبه فيربت على كتفي كتلميذ مجتهد، وطن لا يحكمه العسكر والأمن بقدر ما يحكمه القانون وتسوده العدالة. وطن واقعي بسيط مثل أحلام القرية التي ولدت بها. يتنادى أهله للفرح، ويجتمعون على المصاب ويثورون على الظلم والإستبداد، ومضافاته تتسع لأماسيهم، تدور بها القهوة العربية على أحاديث مواسمهم واحلامهم.
منذ عقود سرق الوطن، وأمم أنسانه باسم الوحدة التي أصبحت خرافة تحول فيها الإنسان لرقم فاقد للإنسانية مقموع جائع، والحرية التي أصبحت سجنا ومعتقلاً وعذابات مفجعة. والإشتراكية بما يعني الجوع والبطالة والسرقة والفساد ولم يبق من هذا الإسم الجميل الوطن سوى خرائب تعتمل فيها الأفاعي والأمراض، وتفجرت فيه الأحقاد، وسحقته جزمات العسكر فهربت
لم يكن بمقدوري الإنتماء إلا لوطن. ما كان لي بعد الحلم بأمة كبيرة متسعة أن أتلطى وراء عشيرة لا أملكها، ولا طائفة.كما أنني لا أملك إمكانيات التزلف لأصبح مخبرا رخيصا، ولست قادرا على الصمت، ومن أول بيان كتبنا به الوطن ورسمنا فضائه ونسيم أشجاره، كان السجن لخمسة عشر عاما عقوبة وتكسير أطراف من أجل إعادة التأهيل كرقم صالح في خدمة السلطة، وبهذا نسينا ماذا نريد في البيان الثاني الذي لم نعطى فرصة للتفكير به وصياغته. لهذا فأنا لا أطمع بأكثر من وطن أحترمه وأصلي لأجله وأضحي شرط أن يحترمني ويتعامل معي كإنسان قادر على التفكير ومن حقه كتابه أفكاره ونشرها وقادر على الإحتجاج والتظاهر وينتخب مرشحيه وهذا ليس بالكثير. في بلدان الله الواسعة الذين يناضلون من أجل إنقاص ساعات العمل وزيادة الخدمات الإجتماعية التي لا تكتفي بتعويض البطالة بل بزيادة نسبتها لما يعادل نسب عالية تشجع على البطالة أحيانا، ناهيك عن الضمان الصحي الكامل وبحرية اختيار العيادة والمستشفى. هناك في هذه البلدان يضحكون على أحلامنا البسيطة والعادية بل الطبيعية. لهذا ليس كثيرا علينا أن نحلم بهذا الوطن ونسعى لتشكيله.
كم فرحت لثورة تونس وها أنا أرقص لمصر، فرحتي لا يمتلكها إلا الذين مثلي المحرومون من الوطن، وأكيد هؤلاء الشباب السمر ربيع مصر ووردها، أه كم راودتني نفسي بالسفر لمصر والإنخراط مع هؤلاء الشباب والصبايا والرجال الذين تدفقوا كمياه النيل ليقولوا، كفى عبثا وكفى ذلا وهوانا، أرحل أيها الطاغية أنت وأزلامك وبطانتك، اتركنا نبني وطننا ونسيجه بالحرية والقانون والعدالة والحب.
أه كم أشعر بأنني امتلكت وطنا، وكم استعجل الذهاب لمصر للقاهرة والحسين وخان الخليلي وميدان التحرير والجيزة. سأقبل الناس واتطهر بمياه النيل وأوزع الكحك كما يقول اخواننا المصريين. فمصر هرم الأمة وسيظللنا جميعا وسيرفد همومنا وأحلامنا ويرفع الذل والهوان الذي أصابنا. أه يا مصر كم كان غيابك ظلام وقهر، وكم مزقنا وشتتنا سجنك وحصارك وتقييدك، ولكنك تشرقين من جديد ونحن ننتظر قطاف مواسمك.
* الفجيرة / 1 / 2 / 2011
………………………
صباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر.
هاهي مصر تنتفضت بعد تونس وهاهو شعب مصر ينهض من جديد ، يا للروعة والفرحة هذه مصر التي أخرجت من الحاضرة العربية ، ودجل عليها بأن الأنفتاح سوف يجلب اللبن والعسل ،فذاقت مرارة الجوع والحرمان ، وقاست الذل والهوان على أيدي جلاوذة الأستبداد وفئران والنظام فسرقت البقرة الحلوب ونهبت وجيع الشعب المصري وفقد رونقه وأنسانيته ، حيث فاقت نسب العطلة عن العمل القياسات العالمية وتدنى مستوى الدخل لدرجات كبيرة تحت الصفر ، وأصبح أطفال الشوارع ضاهرة عادية شكلت مجال للأبحاث والدراسات ، بظل القمع وتكميم أفواه الشعب المصري الذي لم يغادر الميدان حيث كان دائم الحضور ولكن القمع ، والترهيب وتزوير الأنتخابات .
أن تزور مصر تجد أن كل شيء كما في سائرالنظم العربية يدعوا للثورة والأنتفاض على هذا النظام البائس ، و أن تنتفض مصر فهي مقدمة لتغيير المنطقة ، مصر هذه الحاضنة الكبيرة ذات التاريخ والدور والريادة ، التي لن تقبل باستباحة المنطقة وإذلالها ، قيد يكون هذا مبكرا الحديث عنه إلا أنه التفائل والحلم والأستفادة ، ، نعم الأستفادة والتعلم وأكتساب الخبرات ، حيث قدم لنا النموذجان التونسي والمصري درسا مهما في التغيير والثورة على اصنام وطغاة العصر ، درسا في الخطاب والبرنامج والوحدة الوطنية وهذا ما يجب أن نقتدي به ونستلهمه ، وهو الثورة على واقع الظلم والفساد واحتقار إرادة الشعب والنضال من أجل سيادة العدالة والحرية والقانون من خلال دستور يمثل أرادة الشعب ويعبر عن سيادته ، بمعنى قلب المعادلة السائدة لنظم الأستبداد التي تؤبد الطاغية وتؤلهه ، وهو بدوره يورث أبنائه ويسيد عائلته ، ويستهزأ ويحتقر شعبه ، بل يعمل على تفتيت بنى المجتمع ويشيظه ويشجع النعرات الطائفية والأقلوية ، وهذا ماكان يدسه النظام باسم محاربة الأرهاب والأصولية ، لهذا كان الرد الذي اجتمعت عليه الجماهير في تونس ومصر مفحما وساحقا وهو أن شعب مصر موحدا وعوامل توحيده ركنها المتين هو بناء وطن المصريين ، وطن يكون تعبيرا عن طموحاتهم ويفتح ذراعيه لأحلامهم ، وطن يحتضنهم ويحتضنونه كبشر أحرار يرسمون صروحه وفضائه ، تسوده الحرية والكرامة والقانون ، وهذا جسده الثائرون في تونس ومصر
أما الدرس الجميل والجيد فهو تسفيه كل دماغوجيا النظام وعهره بأننا كشعوب عربية غير قادرين على استلهام الديمقراطية ، وكل دعاتها هم عملاء للخارج ، وها نحن نرى كيف برع الشعبان في تونس ومصر من خلال توحدهم جميعا ، اسلاميين وقوميين ويساريين ولبيرالين على التغيير واحترام الأخر هدفهم بناء دستور والأحتكام اليه تحت ظل القانون وصناديق الأقتراع وهذا يشكل صفعة لكل الدجل والأستهتار بأمكانيات شعوبنا وأرادتها .
لهذا فأمكانية الأستفادة من الدروس التي يضعها أمامنا شعبينا في تونس ومصر جد مواتية ، وعليه فمن واجب الحركات الوطنية في المنطقة العربية والمثقفين والطلاب تكثيف حوارتهم وعقد مؤتمراتهم على أرضية إننا أبناء وطن ،همومنا الحرية و الكرامة وسيادة القانون والعدالة ، ونبذ ورجم ذرائع النظام وترويعاته الطائفية والأقلاوية ، وهي فرصة لنبذ الخلافات وعقد مصالحات تاريخية تعيد تماسك الشعب وتمتين عراه وبناء جسمه في ظل الحرية والديمقراطية والتقدم باتجاه ازدهاره .
علينا كشعوب ان نحصن شعبنا بمصر ونحن ندرك مدى الأشكالات الأقتصادية والأجتماعية التي أورثه إياها النظام ومدى الأرتهانات للكثير من المعاهدات المجحفة والمذلة بحق مصر وتاريخها ، لذا علينا المبادرة لرفدها والضغط على الدول العربية من أجل تقديم المساعدات والمنح التي تجعلها تقف على قدميها وترسخ عرى نظامها الديمقراطي وخططها التنمويية ، ان المهمة الملحة للطليعة العربية هي حماية وتحصين الثورة بمصر بعتبارها مقدمة للنهوض في المنطقة ودحر الأستبداد واسترداد الشعب لحريته وكرامته .
لنبادر ومن اليوم بأعداد أنفسنا من أجل رفد الثورة المصرية وتشكيل اللجان الداعمة لحقه بالحرية والظفر بالديمقراطية ، قد يكون مبكرا الحديث عن جمع التبرعات ورفد الجماهير بالمواد الغذائية الأساسية إلا أنه يجب أن لا يغيب عن أعيننا العيون التي تترصد بما يحصل بمصر ومراقبة حركة الشعب المصري واتجاهها ، والتخطيط لجعلها حركة مطلبية ولي عنق أفاقها وما ينتج عن شق عصا الطاعة التي رسمت للمنطقة ونفذت بأيدي الأنظمة كوكيل يمهد لتمرير المشاريع وتقسيم المنطقة ونهبها ، بعد أن هشم وقمع الشارع وسلبت مواطنيته وإنسانيته .
ليكن مفهوما ومدركا أن الثورة المصرية تؤرخ لعصر جديد ونهاية مرحلة مظلمة وحالكة السواد في المنطقة العربية ، لذا علينا التجنيد لها ورصد كل سواعدنا من أجل إنجاحهها وتحقيق أهدافها ، وهذا هو الكفيل لقدح نار الثورة في المنطقة كلها ومن الواضح أنه قد اشرقت وقربت شمس الحرية بعد أن تفجرت تونس ومصر
مصر بهية وولادة مثلما حلمنا بها وعشقناها .
* الفجيرة 29 / 1 / 2011
“النداء”




















