مع بدء التشكيك في قدرة الثورة المصرية على التعبئة في ظل مضي النظام المصري في سياسة التسويف والمماطلة، ووسط اشارات خارجية متناقضة حيال الرئيس المصري حسني مبارك، استعادت الاحتجاجات الشعبية دفعاً كبيراً أمس، وخرجت أضخم تظاهرات منذ بدء الانتفاضة في 25 كانون الثاني، مكتسبة زخماً كبيراً وخصوصاً بعد الاطلالة المؤثرة مساء الاثنين للناشط وائل غنيم الذي أطلقه أمن الدولة المصري بعد خطفه 12 يوماً، ونزوله أمس الى ميدان التحرير للمرة الاولى، ليساند “أبطال الثورة” ويضخ في الحشود عصباً جديداً لمواصلة تحركهم الى حين تحقيق مطلبهم الاساسي، وهو رحيل الرئيس مبارك. واتخذ النظام خطوة اضافية في اتجاه استيعاب الغضب المتصاعد، معلناً تأليف لجنة لتعديل الدستور، وتحدث نائب الرئيس المصري اللواء عمر سليمان الى رؤساء تحرير الصحف الحكومية عن خطة وجدول زمني لانتقال سلمي للسلطة، وأن “الرئيس مبارك يؤيد التداول الحقيقي للسلطة” ولكن لا بد من التفكير في “مواصفات وتوجهات” الرئيس المقبل للبلاد.
واحتشد آلاف المتظاهرين حول وائل غنيم بمجرد وصوله بعد الظهر الى ميدان التحرير في صحبة والدة خالد سعيد، الشاب المصري الذي ضربته الشرطة في الاسكندرية حتى الموت في الطريق العام، مما اثار موجة عارمة من الغضب دفعت غنيم الى تأسيس صفحة “كلنا خالد سعيد” في موقع “فايسبوك” على الانترنت التي تضم اكثر من 650 الف عضو.
وما أن أطل هذا الشاب الثلاثيني الذي يعمل مدير التسويق لمنطقة الشرق الاوسط في شركة “غوغل” على المحتجين، حتى دوى التصفيق في الميدان، واغرورقت عيون كثيرين بالدموع ، وهم يهتفون:”تحيا مصر تحيا مصر”، كما ارتفعت هتافات “الشعب يريد اسقاط النظام”، “الشعب يريد اسقاط الرئيس”.
وخاطب غنيم المتظاهرين قائلاً: “لست بطلاً، انتم الابطال، انتم الذين بقيتم هنا في الميدان… لازم تفضلوا مصرّين على مطالبنا، علشان خاطر شهدائنا لازم نفضل مصرين على مطالبنا”. وأفرج عن وائل الاثنين بعدما احتجز 12 يوماً في مقر جهاز مباحث امن الدولة التابع لوزارة الداخلية، امضى 11 يوما منها معصوب العينين. وبعد اطلاقه بثلاث ساعات، ظهر على شاشة “قناة دريم2 “المصرية الخاصة، فبكى، عندما عرضت على الشاشة صور شبان وشابات من ضحايا القمع الامني للتظاهرات.
وفي اليوم الخامس عشر للانتفاضة، كان مئات الآلاف يشاركون مساء في تظاهرة في ميدان التحرير. واكد مصورون وصحافيون أنها الاضخم منذ 25 كانون الثاني.
كذلك، روى شهود أن مئات الآلاف شاركوا في تظاهرة في ميدان سيدي جابر في شرق الاسكندرية، هي الاضخم منذ بدء حركة الاحتجاج.
وجاءت التظاهرات الحاشدة رداً على الاسئلة عما اذا كان المحتجون لا يزالون متحمسين بعد أسبوعين من الضغوط الشعبية التي لم تؤد الى تحقيق مطلبها الاساسي وهو رحيل مبارك. وانضم الى الاحتجاجات أمس موظفون حكوميون، بينهم نحو خمسة آلاف أستاذ جامعي كان رجال الامن منعوهم من التظاهر قبل أيام.
وللمرة الاولى منذ أيام، خرج نحو الف شخص من ميدان التحرير وساروا نحو مبنى البرلمان القائم على مسافة قريبة، وراحوا يهتفون: “غير شرعي، غير شرعي” ويطالبون بحله. وقال مئات منهم إنهم سيمضون الليل أمام المبنى وهم يقرعون الطبول.
وأكد شهود أن وزير النقل المصري السابق عصام شرف تزعم المسيرة التي وصلت الى محيط مجلسي الشعب والشورى ومجلس الوزراء ووزارات أخرى.
ولا يزال المعتصمون يعربون عن تصميمهم على البقاء الى حين رحيل مبارك، وتضامنهم مع مطالب الشباب الرافضين لنتائج الحوار الذي تم بين نائب الرئيس اللواء عمر سليمان وممثلين للمعارضة المصرية وخصوصاً جماعة “الاخوان المسلمين”. وهم لا يزالون يقفلون ميدان التحرير منذ التظاهرة الحاشدة الاولى في 25 كانون الثاني الماضي.
وخوفاً من تقدم دبابات الجيش لاخلاء الميدان من المتظاهرين وفتحه امام حركة السير، لا يزال عشرات المعتصمين ينامون في العراء امام سلاسل الدبابات لمنعها من التحرك.
وشهدت مدن الاسكندرية والمنيا وسوهاج واسيوط والمنصورة والسويس والاسماعيلية تظاهرات شارك فيها عشرات الآلاف من الاشخاص.
والى معلومات تنشرها الصحف المحلية عن ثروات بالمليارات جمعها وزراء ومسؤولون سابقون، بمن فيهم وزير الداخلية السابق حبيب العادلي، ساهمت الشهادات عن العنف الذي استخدمته اجهزة الامن مع المتظاهرين في اثارة تعاطف شعبي واسع مع مطالب الشباب برحيل الرئيس المصري.
وروى احد اكبر جراحي القلب في مصر طارق حلمي، على قناة “دريم2 ” كيف انه عالج ولداً في الثالثة عشرة من عمره، وبعد بضع ساعات رآه مقتولاً برصاصة في رأسه. وقال ان العديد من مصابي ميدان التحرير في الثاني من شباط، الذي بات المصريون يطلقون عليه “الاربعاء الدامي”، راوحت جروحهم بين فقء إحدى العينين وكسور في الارجل والاذرع، اضافة الى المصابين بالرصاص المطاط والرصاص الحي.
واعلنت منظمة “هيومان رايتس ووتش” الاميركية غير الحكومية المدافعة عن حقوق الانسان ان 297 شخصا على الاقل قتلوا خلال الاحداث الاخيرة في مصر، الا انها قالت ان هذه الحصيلة قد تكون اعلى.
وفي تطور لافت، قدمت مجموعة من الشخصيات القبطية مذكرة الى نائب الرئيس المصري تطلب فيها المشاركة في الحوار الوطني الذي بدأه مع عدد من قوى المعارضة المصرية. وقال الناشطون، وبينهم رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الانسان نجيب جبرائيل ومنسق التيار القبطي العلماني كمال زاخر واستاذ القانون ايهاب رمزي، في مذكرتهم: “لما كان أقباط مصر قد عانوا مناخا شديد الظلم، مما أدى الى اقصائهم عن المشاركة في صنع القرار، نرجو تحديد موعد لطرح رؤية الناشطين الاقباط من خلال قاعدة المشاركة الوطنية المصرية”.
ويطالب الاقباط، الذين يمثلون ما بين ستة و10 في المئة من الـ 80 مليون مصري، بتعديل المادة الثانية من الدستور التي تنص على ان “الشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع”.
وكان الرئيس المصري السابق أنور السادات ادخل عام 1980 تعديلا على المادة الثانية من الدستور لتصير الشريعة “المصدر الرئيسي للتشريع” بعدما كانت في النص السابق “احد مصادر التشريع”.
وفي اطار المساعي لاستيعاب النقمة الناتجة من قمع التظاهرات، اصدر الرئيس المصري قراراً بتأليف لجنة “تتولى دراسة واقتراح ما تراه من التعديلات الدستورية للمواد 76 – 77 – 88 وغيرها من المواد الأخرى اللازمة لتحقيق إصلاح سياسي وديموقراطي يلبي طموحات أبناء الشعب في مجال الإنتخابات الرئاسية وما يرتبط بها من أحكام، وما تتطلبه التعديلات الدستورية المقترحة من تعديلات تشريعية لبعض القوانين المكملة للدستور ذات الصلة”.
وتطالب المعارضة بتعديل المادة 76 لالغاء الشروط التعجيزية على الترشح لرئاسة الجمهورية والمادة 77 لتحديد مدة البقاء في الرئاسة بحيث لا تتجاوز ولايتين وبالعودة الى النص في المادة 88 على الاشراف القضائي الكامل على الانتخابات.
وتضم اللجنة، بموجب القرار، عشرة أعضاء جميعهم من القضاة الكبار في محكمة النقض والمحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة، اضافة الى خبراء قانونيين.
ويقضي القرار بأن “تنتهي اللجنة من مهمتها في موعد أقصاه آخر شهر شباط الحالي وترفع الى نائب رئيس الجمهورية تقريراً بالنتائج التي أسفرت عنها واقتراحاتها في شأن التعديلات الدستورية والتشريعية اللازمة، وذلك للعرض على رئيس الجمهورية لاتخاذ ما يلزم لطلب تعديل الدستور”.
كذلك، أمر مبارك باجراء تحقيق في المواجهات التي دارت الاسبوع الماضي بين المحتجين وأنصار للحكومة، اضافة الى اعتقال ناشطين في مجال حقوق الانسان وصحافيين.
وفي حديث الى رؤساء تحرير الصحف الحكومية، قال اللواء سليمان إن”الرئيس مبارك يؤيد التداول الحقيقي للسلطة وليست لديه مشكلة في تحقيق ذلك، ولكن لا بد من التفكير في مستقبل مصر، ومن يقود المسيرة في المرحلة المقبلة، ليس شخص الرئيس ولكن ما هي مواصفاته وتوجهاته”.
واضاف أن “ثورة الشباب كان لها ايجابيات ولكن لا يجب ان تنزلق الى سلبياتها، ونحن حرصاء على المجتمع المصري، كما ان الآثار والضغوط لن تكون، أبداً في مصلحة المجتمع، لكنها دعوة الى المزيد من الفوضى وخروج خفافيش الليل لترويع المجتمع… نحن على يقين من أن مصر مستهدفة، وهذه فرصة لهم ليست للتغيير، ولكن كل ما يهمهم هو اضعاف مصر وخلق فوضى لا يعلم مداها الا الله”. ولفت الى ان احد عناصر الازمة الحالية في مصر هو “التدخلات الخارجية ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو خاص ببعض العناصر التي تحاول التدخل وتوفير سلاح او تهديد الامن القومي في شمال سيناء”، مضيفاً: “اننا قادرون ولن نسمح لاحد بان يتدخل في شؤوننا الداخلية على الاطلاق”.
وسئل هل يمكن أن يتوجه الرئيس المصري الى ألمانيا للعلاج، فأجاب: “ان الرئيس في حال صحية جيدة، ولم يحدث اتفاق على اي شيء” مع اي جهة المانية، وما قيل في هذا الشأن “تدخل سافر في شؤوننا الداخلية”.
وفي الترددات الاقتصادية للازمة المصرية، أفاد المصرف المركزي المصري انه تدخل للمرة الاولى منذ سنتين في سوق صرف العملات الأجنبية، وضخ كميات كبيرة من الدولار الأميركي، بعدما تأكد من وجود مضاربات منذ الصباح الباكر لتحقيق مكاسب وقتية لمصلحة المضاربين، مما كاد أن يلحق خسائر كبيرة بسعر الجنيه المصري.
وصرح نائب محافظ المصرف هشام رامز بأن “تدخل البنك المركزي أدى إلى خفض في سعر الدولار الأميركي بنحو تسعة قروش حيث كان قد سجل اليوم 5٫96 جنيهات، وأصبح بعد تدخل المركزي 5٫87 جنيه مما ألحق خسائر كبيرة بالمضاربين”.
• في برلين، قال الملياردير المصري نجيب ساويرس في مقابلة نشرتها صحيفة “سودويتشه تسايتونغ” ان استمرار الاضطراب السياسي في مصر قد يعجل في تدخل “الاخوان المسلمين” او الجيش. وأكد انه يدعم الحراك الديموقراطي في بلاده، لكنه يرى ان تغيير النظام يجب ان يتم بهدوء من طريق انتخابات حرة.
وقال ساويرس الذي يعتبر من ممثلي المعارضة الذين يتحاورون مع السلطة المصرية، ان “شباب ميدان التحرير” في القاهرة “حصلوا على نتائج لا تصدق خلال اسبوعين”: الرئيس حسني مبارك “لن يترشح” للانتخابات التي ستجرى في الخريف المقبل و”نجله جمال انسحب من السياسة”.
و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، ي ب أ




















