قبل 12 يوماً، كتب وائل غنيم على حسابه في موقع “تويتر”: “صلوا من أجل مصر… يبدو أن الحكومة تخطط لجريمة حرب غداً ضد الشعب. نحن جميعاً مستعدون للموت”. كتبها واختفى.ومذذاك، لم يظهر له أثر، الى أن خرج مساء الاثنين من مقر أمن الدولة المصري، وأطل لاحقا على التلفزيون وبكى فأبكى معه ملايين المصريين، قبل أن ينضم أمس للمرة الاولى الى المعتصمين في ميدان التحرير حيث استقبل استقبال الابطال.
بخطفه واعتقاله ثم اطلاقه، حول النظام المصري هذا الشاب البالغ من العمر 33 سنة، زعيماً بلا منازع لحركة شعبية جهدت في الايام الاخيرة للحفاظ على توازنها بعدما تفوقت عليها حيلة حكومة برعت في فنون تهميش المعارضين وخنق أصواتهم. وأتت إطلالته في فترة حساسة، في ظل مخاوف من تراجع حماسة المحتجين وسط سياسة الخطوات الالتفافية التي يعتمدها النظام.
وفي ميدان التحرير،أكسبت اطلالة وائل الاحتجاجات زخماً جديداً، وضخت فيها الحماسة، فتدافع آلاف من المتظاهرين لتحيته وراحوا يصفقون له والدموع في عيونهم، ويهتفون: “تحيا مصر تحيا مصر”. أما هو فخاطبهم قائلاً: “لست بطلا، انتم الابطال، انتم الذين بقيتم هنا في الميدان… لازم تفضلوا مصرين على مطالبنا، علشان خاطر شهدائنا، لازم نفضل مصرين على مطالبنا”. فرد عليه الحشد باللازمة الشهيرة للانتفاضة: “الشعب يريد اسقاط النظام، الشعب يريد اسقاط النظام”.
في الواقع، كان وائل، مدير التسويق لمنطقة الشرق الاوسط في “غوغل”، والمقيم في مقر عمله بالامارات والذي لا ينقصه لا مال ولا جاه، منظماً أساسياً عبر صفحته “كلنا خالد سعيد” في موقع “فايسبوك” للحملة التي أثارت التظاهرة الاولى في 25 كانون الثاني. وفي 23 كانون الثاني، أبلغ المسؤولين عنه انه ذاهب في اجازة الى مصر “لاسباب عائلية”. وبعد أيام انقطعت أخباره عن زملائه وأهله، لكن بصماته كانت واضحة في ما حصل في مصر أخيراً. فغداة ورود رسالته المقتضبة على “تويتر”، أربكت الحشود الغاضبة التي تحدت خراطيم المياه والرصاص المطاط، شرطة مكافحة الشغب المصرية، وتدفقت الى ميدان التحرير ممهدة الطريق للمواجهة المفتوحة بين المحتجين والرئيس المصري حسني مبارك والتي دخلت أمس أسبوعها الثالث.
وفي اطلالته مساء الاثنين على قناة “دريم 2” التي يملكها رجل الاعمال أحمد بهجت، حاول تصحيح الصورة المشوهة التي يحاول النظام المصري اعطاءها عن المحتجين. تكلم وتلعثم وبكى رفاقه الذي سقطوا فأبكى معه ملايين المصريين.
بدا وائل القصير القامة، الاشعث الشعر، تعباً وعيناه غائرتين، بعد 11 يوماً امضاها في سجون امن الدولة.
وعلى رغم الارهاق، بدأ مقابلته التلفزيونية بتقديم التعزية الى ذوي الذين سقطوا في الاحتجاجات. وقال: “انها ثورة شباب كل مصر. لست بطلاً… أولئك الذين استشهدوا هم الابطال”، قبل أن يهتف:”مبارك ارحل ارحل”. وسمى الاحتجاجات “ثورة شباب الانترنت”، قائلاً بتحد: “لسنا خونة”.
وقد ظلّ متماسكاً الى أن عرضت القناة صور رفاقه الذين قتلوا، فكان الامر بالنسبة اليه اقوى من ان يحتمل. انحنى على الطاولة، بكى دقائق من غير ان يلتفت الى المذيعة. وقال: “الى كل ام واب فقد ابنا او ابنة… والله العظيم دي مش غلطتنا دي غلطة كل واحد متبت (متشبت بالعامية المصرية) في الكرسي ومش عايز يسيبه”. وأضاف وهو يبكي بصوت عال: “عايز امشي”. وغادر الاستوديو على الهواء.
وخلال المقابلة لم يخف وائل غضبه. وروى أنه خطف من الشارع مساء 27 كانون الثاني الماضي وظل معصوب العينين 11 يوماً كاملة لم يكن يعرف خلالها اي شيء عما يجري خارج محبسه، واستجوب على نحو قاس عن طريقة تنظيم الانتفاضة.
وقال لسجانيه والمحققين معه ان “خطفي جريمة، واذا كان لا بد من أن اعتقل يجب ان يكون حسب القانون. لست ارهابيا ولا مهرب مخدرات حتى يطبق علي قانون الطوارئ”. استعاد حواره مع الضباط الذين حققوا معه: “انا من يدفع رواتبكم لانني انا ادفع ضرائب وجميع المسؤولين موظفون ويحق لكم محاسبتهم”، موجها كلامه الى المصريين عبر التلفزيون.ولفت الى “أنني متهم بتنفيذ اجندات خارجية، قالوا عني انني خائن ثم غيروا رأيهم… واجندتنا هي حبنا لبلدنا”.
ونقل وائل حواره مع بدراوي. وروى: “قال لي اخرجنا جميع السيئين من الحزب، فقلت له انا لا اريد ان ارى شعارا واحدا للحزب الوطني في اي شارع من شوارع مصر. على كل من يعتبر نفسه جيداً ان يخرج من صفوف الحزب الوطني وان يؤسس حزبا آخر”.
وبدا ايضا متسامحا وغير حاقد. قال: “الوقت ليس وقت تصفية الحسابات. قد اكون راغبا في اخذ حقي من اناس كثيرين، الا ان الوقت ليس لتصفية الحسابات ولا لتقسيم الكعكة ولا لفرض الايديولوجيات… انه وقت المطالبة بالحقوق”. واضاف: “انا لست بطلاً، انا كنت وراء حاسوبي فقط، انا مناضل الكيبورد. الابطال هم الذين نزلوا واستشهدوا في شوارع مصر”.
عن “الانترنت”




















