إسرائيل المطمئنة الى أمنها تنهي الانسحاب قبيل تنصيب أوباما
في ما بدا مؤشراً لمحاولة إعادة الحياة الطبيعية إلى قطاع غزة المنكوب بأضرار مادية فادحة تقدر بـ1،9 مليار دولار، انتشر أفراد من شرطة حركة المقاومة الاسلامية "حماس" في الشوارع وأعادت المصارف فتح أبوابها. وأمل مسؤولون اسرائيليون في إكمال سحب قواتهم من القطاع اليوم الثلثاء قبيل تنصيب الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما. وبينما استبعدت وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني عودة "حماس" الى إطلاق الصواريخ وتحدث وزير الدفاع ايهود باراك عن تحقيق الأمن لاسرائيل، لوحت الحركة بتجديد ترسانتها، متحدية الجهود الدولية لمنع وصول الأسلحة إليها. وفي هذا الإطار، أعلنت تل أبيب توقيع اتفاق مع القاهرة لوقف التهريب، غير أن الجانب المصري نفى ذلك.
ومع بدء الحديث عن مرحلة إعادة الإعمار وزيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون القطاع اليوم لهذه الغاية، استرعى الانتباه موقف أوروبي يربط تعمير ما دمرته اسرائيل بوجود حكومة تستطيع أن تتعامل معها أوروبا التي تتوجه إليها ليفني الأربعاء. كما دعا رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض إلى قيام حكومة توافق وطني.
رفع الأنقاض
وفي شوارع غزة، انتشر شرطيون من "حماس" عند التقاطعات الرئيسية وانصرف آخرون الى تنظيم السير. وانهمك عمال البلدية بجمع النفايات وازالة ركام الابنية.
وأكد وزير الداخلية في حكومة "حماس" المقالة إيهاب غصين أن الحركة مسيطرة تماما على الأمن الداخلي. وقال: "نحن نعمل على رغم الأضرار التي لحقت بأجهزة اتصالاتنا وآلياتنا وتدمير مجمعاتنا. نحن على الأرض ويستطيع الناس الشعور بذلك".
وأقفل أكثر المتاجر في مدينة غزة، إذ لم يكن لدى العديد من التجار ما يبيعونه. لكن شابين شرعا في العمل في كشك للفلافل لبيع 12 قطعة من الفلافل بشيقل.
ويعمل المسعفون الفلسطينيون من دون توقف، وقد انتشلت امس 12 جثة لفلسطينيين وتوفي ثلاثة فلسطينيين متأثرين بجروحهم. وبذلك ارتفع عدد ضحايا الهجوم على غزة الى 1315 فلسطينياً. وقال المسعف عبد شرفي (40 سنة) ان "الجثث في حال مزرية الى درجة أنه لا يمكن التمييز بين طفل وطفلة. بعضها ظل تحت الانقاض طوال 15 يوماً".
وأفاد جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني أن أكثر من 22 ألف مبنى، إما دمرت وإما لحقت بها أضرار، وقدر الاضرار الاجمالية في القطاع بما لا يقل عن 1,9 مليار دولار، مع العلم ان ديبلوماسيين غربيين قدروا كلفة اصلاح البنية التحتية في غزة بـ1,6 مليار دولار.
وأعلن مصدر في حكومة "حماس" المقالة أن الهجوم دمر خمسة آلاف منزل و16 مبنى حكومياً و20 مسجداً، وألحق أضراراً بنحو 20 ألف منزل.
وروى شهود أن حجم الدمار كان كبيراً، فبدت شوارع كثيرة مسطحة وفيها فجوات مثل سطح القمر. وقد دمر مبنى البرلمان وسوي بالأرض.
وعلّق رجل الاعمال ابو ايهاب (55 سنة) وهو يراقب الدمار مغادراً منزله: "هذه الحرب أعادتنا 50 سنة الى الوراء، سياسياً ومادياً ومعنوياً. عدنا الى المربع الاول، كأننا في عام النكبة 1948". ورأى ان "حماس أخطأت، فأي حرب يجب أن تكون لها أهداف سياسية معلنة وإمداد استراتيجي وخطط عسكرية وقدرات عسكرية ونوع من توازن القوى. ولكن هنا لا توازن، لقد اعتمدوا على وعود شفوية من ايران وسوريا، وطبعاً هذه الوعود كاذبة. حماس لم تحقق في هذه الحرب اي شيء، اين المقاومة؟ لم يعدوا انفسهم من الناحية الاستراتيجية ولا من الناحية الامنية وتركوا الامور تسير على البركة". وأكد ان "الناس مستاؤون جداً من أداء حماس، وما جلبته من خسارة للشعب".
وقال ابو كريم ابو شريعة (30 سنة) من حي الصبرة بوسط مدينة غزة أنه جاء إلى المصرف ليقبض راتبه "بعد 22 يوماً من الحرب. لم نكن نستطيع الخروج من البيت. الخوف عند أولادنا منعنا من النوم ولو لحظة. ماذا استفدنا من حماس ومن كل التنظيمات إلا الدمار؟ اين النصر الذي يتحدثون عنه؟ لقد شردونا وخربوا بيوتنا".
وتمنى يحيى عزيز (22 سنة) التوصل إلى حل "يضمن ألا تعود الدبابات الإسرائيلية لتقتلنا".
وفي مخيم جباليا للاجئين الذي كان مسرحاً لقتال ضار، لم يسلم منزل من الاضرار. وتعفنت أكوام كبيرة من القمامة على جنبات الطرق. وراح اولاد يبحثون عن زجاجات بلاستيكية فارغة.
وفتحت الامم المتحدة مراكز في مدينة غزة لتوزيع المياه والمواد الغذائية مثل القمح والحبوب على السكان.
بان في غزة
ويصل بان كي – مون إلى القطاع اليوم لمعاينة الأضرار التي أصابتها وتفقد منشآت الأمم المتحدة التي استهدفها القصف الاسرائيلي. وستكون هذه الزيارة الأرفع لمسؤول دولي للقطاع منذ سيطرة "حماس" عليه في حزيران 2007، لكنه لن يلتقي قياديي الحركة.
وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية يوسي ليفي بأن "بان ينوي أن يبدأ زيارته في القدس، ومنها سينتقل الى غزة حيث سيزور عددا من مقرات الامم المتحدة"، وقد يخضع برنامج الزيارة "للتعديل".
وشددت ليفني في اتصال هاتفي مع الأمين العام على ضرورة ألا تكون جهود المجتمع الدولي لاعادة بناء غزة ومساعدة سكانها وسيلة "تمنح شرعية لمنظمة ارهابية أثبتت بأعمالها انها تعرض للخطر مستقبل الشعب الذي تدعي حكمه".
صورايخ "حماس"
وفي ظهوره الأول منذ بدء الحرب في 27 كانون الاول، قال ابو عبيدة، الناطق باسم "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لـ"حماس"، ان ما خسرته الحركة "ضئيل جداً"، ذلك ان 48 من مقاتليها "استشهدوا" و"قوتها الصاروخية لم تتأثر". وأضاف: "نحن أطلقنا الصواريخ اثناء هذه الحرب بدون توقف، ولا نزال، بقوة الله، قادرين على اطلاق الصواريخ. نؤكد ان صواريخنا في تطور وازدياد، والعدو سيلاقي المزيد وستطال صواريخنا أهدافاً أخرى. فلتفعلوا ما تشاؤون، فإدخال السلاح الطاهر وصناعة السلاح المقاوم هما مهمتنا ونحن نعرف جيدا كيف نحصل على السلاح". واتهم الجيش الاسرائيلي بأنه "حاول التغطية على فشله وهزيمته بارتكاب مجازر ضد المدنيين الابرياء والعزل وبقصف من الجو بطائرات لا تستخدم الا في الحروب بين الدول العظمى".
300 شاحنة مساعدات
في غضون ذلك، سمحت اسرائيل بعبور نحو 300 شاحنة محملة مساعدات انسانية الى غزة، ونقل 400 الف ليتر من الوقود. وفتحت معابر كرم ابو سالم والمنطار ونحال عوز لهذه الغاية. واوضح الناطق باسم الحكومة الاسرائيلية مارك ريغيف أنه من الممكن السماح بعبور "كميات هائلة" من المساعدات إذا استمر الهدوء.
واكد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت ان كل القوات الاسرائيلية ستخرج "في اسرع وقت، فور ضمان امن سكان جنوب البلاد". وتحدث مسؤولون اسرائيليون عن إتمام الانسحاب اليوم الثلثاء ما لم تعاود "حماس" إطلاق الصواريخ. وبهذا توفر اسرائيل على أوباما التعامل في أيامه الأولى مع قضية شائكة، وإن يكن الرئيس المنتخب قال إن تحقيق السلام في الشرق الأوسط سيكون الأولوية لإدارته.
وحتى الآن انسحب آلاف من الجنود الاسرائيليين من غزة، لكن أعداداً كبيرة منهم أبقيت عند حدود القطاع تحسباً لاحتمال العودة إليه.
واعتبر باراك ان "حماس منيت بضربة عسكرية لم تعرف مثلها من قبل، وأدى ذلك إلى نشوء ردع يتيح لنا تهدئة من جهة، والجهوزية لمواجهة أي تطور واحتمال قد يحصل".
واستبعدت ليفني أن تعاود "حماس" إطلاق الصواريخ في اتجاه إسرائيل في المدى القريب على الأقل. وقالت للإذاعة الاسرائيلية: "إنهم يعرفون اليوم ماذا ستفعل إسرائيل إذا ما هوجمت، والعالم يعرف ماذا ستفعل إسرائيل عندما يهاجمونها، وحتى أنه يتقبل ذلك، ولهذا فإني أعتقد أنهم لن يكرروا ذلك قريباً، وإذا فعلوا فإنهم سيتلقون ضربات مرة أخرى". وعلقت على قرار وقف النار بأنه "كما يجب أن نعرف متى ندخل (الحرب)، علينا أيضا ان نعرف متى نوقفها، وهذا جزء من الحكمة التي يجب أن تتحلى بها القيادة". وقالت إن الضحايا الفلسطينية سقطت "عرضاً"، إذ "كنا نبحث عن الارهابيين، وأحياناً يمكن أن يتعرض مدنيون للأذى في القتال ضد الارهاب. يجب ألا نستخف بهذا الأمر. هذه الأمور ستضع أمامنا مهمة معقدة، إن العواقب في سياق التعامل مع الضحايا المدنية هي شيء علينا التعامل معه في ما بيننا وفي مواجهة العالم".
وتحدثت عن مذكرة التفاهم على منع دخول أسلحة إلى القطاع التي وقعتها مع نظيرتها الأميركية كوندوليزا رايس في واشنطن الجمعة، ووصفتها بأنها "بداية عمل مع الإدارة الجديدة في واشنطن، وليست خطوة أخيرة مشتركة مع الإدارة المنتهية ولايتها". وجددت التزام إعادة الجندي الاسرائيلي جلعاد شاليت، معتبرة ان "قدرتنا على إدارة الأمور أمام حماس في نقطة الوقت هذه تحسنت ولم تتضاءل في ما يتعلق بتحريره".
ومن المتوقع ان تتوجه إلى بروكسيل الأربعاء للبحث في الوضع في غزة بعد وقف النار.
اتفاق مصري – اسرائيلي؟
وفي القدس، أعلن مسؤول اسرائيلي التوصل الى "اتفاق خطي على الإجراءات الأمنية لمكافحة تهريب الاسلحة على طول الحدود بين قطاع غزة ومصر، وداخل سيناء". وأوضح ان ذلك كان أحد شروط وقف النار الذي اعلنته اسرائيل، وتم التوصل اليه خلال المحادثات بين المستشار في وزارة الدفاع الاسرائيلية عاموس جلعاد ورئيس المخابرات العامة المصرية اللواء عمر سليمان. وأشار المصدر إلى ان مصر وافقت على "اجراءات محددة" لمكافحة تهريب الاسلحة.
ويتوقع ان يعود جلعاد الى القاهرة لاجراء محادثات في شأن وسائل الحد من تهريب الاسلحة وفتح المعابر مع غزة.
غير أن الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية حسام زكي سئل عن مثل هذا الاتفاق، فأجاب :"بالتأكيد لا".
وكان المسؤول في "حماس" مشير المصري أفاد ان المحادثات مستمرة في القاهرة في شأن اقتراح مصري لوقف طويل المدى لاطلاق النار يضمن اعادة فتح المعابر، ومنها معبر رفح.
فياض والمساعدات
وفي رام الله، دعا فياض الى تأليف حكومة توافق وطني تتولى الاشراف على اعادة الإعمار. وقال ان "الوفاء لتضحيات الشعب الفلسطيني ومآسيه يتطلب الانطلاق فوراً ودون تردد الى المصالحة الوطنية كمدخل لمواجهة خطر تصفية القضية الفلسطينية".
ولفت الى طروحات دولية لإعادة الإعمار تهدف الى اخذ الوضع الفلسطيني "الانفصال بين الضفة الغربية وغزة في الاعتبار وتكريس هذا الانفصال وترسيمه دولياً"، مع أن "هذا الامر يمكن تصنيفه بأنه يخدم تصفية القضية الفلسطينية". وحذر من محاولات لـ"سحق القضية الفلسطينية ما لم يبدأ التعامل مع الآثار العدوانية على التمثيل الفلسطيني للهوية الفلسطينية". وشدد على مواجهة ذلك بتحقيق "المصالحة أولاً" و"تأليف حكومة توافق وطني تعمل على اعادة وحدة الوطن، وتتحمل المسؤولية في ادارة شوؤن البلاد واعادة اعمار ما دمره العدوان".
وصرحت مفوضة العلاقات الخارجية والسياسة الأوروبية للجوار بينيتا فيريرو – فالدنر في القدس بانه "لإعادة البناء، أنت في حاجة إلى محاوِر، إذاً كيف ستتم العملية؟". واقترحت إيصال المساعدات الدولية إلى السلطة الفلسطينية، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي لن يتولى عمليات كبيرة لإعادة البناء "ما لم تكن في غزة حكومة يستطيع التعامل معها".
وفي باريس، أبدى الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية اريك شوفالييه استعداد بلاده لـ"تحمل المسؤوليات عبر دعم الجهود المصرية للمساهمة في ترسيخ وقف النار" و"محاربة تهريب الاسلحة والتعاون مع الاطراف والسماح بإعادة فتح المعابر".
ودعت الحكومة الإيطالية الى "خطة مارشال لفلسطين" لإعادة إعمار غزة و"وضع الفلسطينيين في حال تسمح لهم بالتنمية الاقتصادية"، لأن "عناصر كهذه هي التي تغذي السلام".
وأعلن وزير الخارجية الألماني فرانك – فالتر شتاينماير وضع خطة من خمس نقاط لإعادة الإعمار.
(و ص ف، رويترز، أ ب، ي ب أ، أ ش أ)




















