ذهب الرئيس بوش وحُكم التاريخ سيكون قاسياً لأنه خلط بين المقدس والمدنس، ووضع نفسه في لوائح القديسين، لكن الانهيارات المتتالية، ومضاعفات العداء لأمريكا التي مثلت الشر بكل درجاته، ثم الخاتمة الأسوأ لسقوط الاقتصاد، جعلت الشعب الأمريكي يحتفل بذهابه وهي النتيجة الطبيعية عندما تصل الخدعة الديمقراطية لاختيار أشخاص لا تؤهلهم مسلكياتهم ولا ثقافتهم لقيادة دول تشكّل الثقل العالمي..
أوباما الرئيس الجديد ورث ثقلاً كبيراً لتركة الرئيس بوش، أي أن الأولويات ستبقى لإنقاذ الاقتصاد وسمعة بلده المتدنية، وستكون ملفات سجناء غوانتانامو، وحروب الشرق الأوسط، والقوى المزاحمة للوصول للقطبية، والآثار الناجمة عن التلوث وغيرها، تحديات هائلة أمام زعيم شاب أسود، استطاع اختراق تقاليد الفصل العنصري بعظمة الشعب الأمريكي الذي أثبت أن تحولاته هائلة، وأنها جاءت سباقاً حتى للمعلمين في أوروبا..
ونحن ندرك أن أزماتنا مرتبطة جوهرياً بأمريكا، وحتى لو صنفناها بالعدو الأكبر فهي بيننا سياسياً واقتصادياً ومن هنا الإشكال الذي لا نستطيع عزل أنفسنا عنه، فهي الرصيد المادي والعسكري لإسرائيل، وهي المهيمن على قرارات مجلس الأمن، والتي تقود أوروبا إلى أي سياسة تريدها، ومعسكر القارات الأخرى، سواء آسيا أو أفريقيا وأمريكا الجنوبية تجد أنها في عمق السوق الأمريكي، وفي حالِ تذبذبت العلاقات، فالخاسر هو الدولة المعادية للدولة العظمى.
هذا الكلام ليس مبالغاً فيه، والدلالة أن انهيار اقتصادها قاد العالم إلى تنامي الأزمات المتلاحقة، ولذلك كانت الحكومات السابقة والتي تبايع إسرائيل من قبل تسلّم سلطاتها، ربما تفترض أن أوباما سوف يذهب لتحقيق مصالح بلده، ومن هنا يأتي الرهان بأنه سيعدّل من المواقف المنحازة لإسرائيل، غير أن طبيعة النظام الأمريكي الذي تهيمن عليه قوة اللوبي اليهودي، ومراكز المال، وثقافة العداء التي كرّستها المؤسسات الإعلامية والإنتاج السينمائي، أبقت العرب في نطاق المجتمع المعادي وغير القابل للاندماج في الحضارة العالمية الراهنة، وحتى مجازر غزة التي اعترفت إسرائيل أنها أضرت بسمعتها ووضعتها على لائحة البلدان النازية، تعتبر في ميدان السياسة الأمريكية دفاعاً عن وجودٍ وأمن وطني، ولذلك إذا كنا بالفعل نريد فتح نافذة في الجدار الأمريكي فعلينا أن نضع القواعد والأسس التي نتعامل بها ، معها في المرحلة القادمة، أي أن وحدة قراراتنا وتضامننا ورسم الخطط العقلانية بطرح قضايانا، هي المفاتيح التي تؤكد حقوقنا.
أوباما لا نستطيع أن نجعله منقذنا طالما تحكمه قواعد دولة لها مصالحها ورؤاها لكننا يمكن أن ندرك أن وطنه أصبح يحتاج إلى معالجة العداء مع العرب والمسلمين، لأن الإرهاب ولد من رحم القهر السياسي والتعامل بفوقية مع هذا العالم الكبير، وهي مؤثرات ربما تغير في السياسات وكذا الأهداف الأمريكية..




















