إذا كانت الحرب العدوانية الإسرائيلية على غزة ألهت المشهد الفلسطيني عن أزمة الرئاسة الفلسطينية خلال الأسابيع الماضية، فإن سؤالاً دستورياً لا يزال يبحث عن إجابة حول مسألة شرعية استمرار محمود عباس في منصب الرئيس، بعد استكماله أربع سنوات في سدة الرئاسة.
ذلك أن قرار عباس في الاستمرار في منصبه بعد 9 كانون الثاني (يناير) 2009، بصفته رئيساً للفلسطينيين، أثار جدلاً ولغطاً بين القانونيين والسياسيين على المستويين الفلسطيني والعربي على حد سواء. وليس ذلك بالغريب، فالمسائل الدستورية المتعلقة بمنصب الرئيس تحمل طابعاً سياسياً، ربما طغى على الجانب القانوني البارز في المسألة المتنازع عليها.
وقبل الخوض في المسألة الدستورية الفلسطينية الحالية، لعله من المفيد الإشارة إلى أن أكثر من خلاف دستوري فلسطيني كان طرأ على الساحة السياسية منذ فوز «حماس» بالمجلس التشريعي في شهر كانون الثاني 2006. ذلك أن فوز «حماس» – الذي نتج عنه إقصاء حركة «فتح» الموالية للرئيس من مركز القوة السياسية في المشهد الفلسطيني – لم يرض الرئيس الذي بدا معزولاً إلى حد كبير داخل سلطته. وهو الأمر الذي حدا به إلى إصدار قرارٍ في 9/12/2006، يقضي بالدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة في آن واحد، قبل أن يتراجع عنه بعد أن قُوبِل ذلك القرار بعاصفة قانونية من عشر فصائل فلسطينية، اعتبرت ذلك القرار خارجاً عن صلاحية الرئيس الدستورية.
ولكن محاولات عباس إقصاء «حماس» لم تتوقف، اذ ما فتئ يلوح إلى أنه قد يلجأ إلى استخدام «حقه الدستوري» في حل المجلس التشريعي المنتخب، وهو الأمر الذي قام به في نهاية المطاف، والذي تلاه تجميد العمل ببعض مواد الدستور، وتشكيل «حكومة طوارئ»، على رغم ما في ذلك من تجاوز لصلاحياته كرئيس بموجب الدستور الفلسطيني، كما جاء تفصيل ذلك في المقال المنشور في هذه الصفحة بعنوان «قراءة قانونية في حكومة الطوارئ الفلسطينية» بتاريخ 18/6/2007.
وعلى رغم أهمية معرفة ما سبق من الناحية التاريخية، إلا أن السؤال المطروح اليوم هو: هل يعتبر استمرار عباس في منصب الرئيس دستورياً اليوم؟
لعل الإجابة تكمن في نص المادة 36 من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2005، التي نصت على أن «مدة رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية هي أربع سنوات». وبناءً على ذلك، فإن الإجابة على السؤال المطروح، حول جواز تمديد فترة الرئيس، لا تحتاج إلى كثير عبقرية، ولا تتطلب الاستعانة بالحواسيب المعقدة، لأنه من أبجديات الحساب أن الرئيس الذي بدأت ولايته في 9 كانون الثاني 2005، تنتهي في 8 كانون الثاني 2009، وأن أي تمديد لفترة الرئيس قبل إجراء انتخابات رئاسية، يعد تمديداً مخالفاً للدستور، الذي لم يعط الرئيس «حق التمديد» في أي من مواده!
أما ما يتذرع به الفريق المناصر لتمديد ولاية الرئيس بالاعتماد على القرار الرئاسي رقم 9 لعام 2005، فإن ذلك غير مقبول من الناحية القانونية. ذلك أن القرار الآنف الذكر هو قرار رئاسي، أي أنه صادر عن الرئيس عباس نفسه، وحيث أن هذا القرار يتعارض مع نصوص الدستور، فإنه يعتبر قراراً باطلاً، لأن القاعدة القانونية تنص على أنه «لا يجوز لتشريع أن يخالف تشريعاً أعلى منه». وغني عن القول إن الدستور أعلى منزلة من قرارات الرئيس، بل هو أعلى القوانين منزلة على الإطلاق، وتبعاً لذلك، فإن أي تشريع يخالف الدستور يعتبر باطلاً من الناحية القانونية الصرفة بغض النظر عن محتواه.
أمر آخر يتشبث به بعض المناصرين لتمديد فترة الرئيس يتعلق بما يسمونه «الشرعية الدولية»، وهم بذلك يشيرون إلى أن الرئيس محمود عباس يتمتع باعتراف العالم أجمع، ومن ذلك قرار جامعة الدول العربية، التي أيدت عباس في تمديد فترة رئاسته عبر مجلس وزراء الخارجية العرب في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. ولعل الإجابة على ذلك تكون في طرح السؤال: منذ متى كانت الشرعية الدستورية لأي بلاد تأتي من خارج حدودها؟!
أليس من المضحك أن يرفض زعيم ما إجراء انتخابات رئاسية، بحجة أن العالم الخارجي يريده أن يبقى في منصبه؟!
واقع الأمر أن المسألة الدستورية في الخلاف على الرئاسة الفلسطينية محسومة بوضوح، وأن الخلاف القائم حالياً ليس دستورياً وإنما هو سياسي لأجل البقاء في المنصب! إذ أن النظرة القانونية البعيدة عن الأهواء، تؤكد أن ولاية عباس الرئاسية انتهت منذ 8 كانون الثاني الماضي، وأن رفض التسليم بانتهاء فترة أي رئيس يجعله من باب «الاستيلاء غير القانوني» عليها!
قرار الرئيس عباس بتمديد ولايته ليس بدعة في تاريخ الانظمة الجمهورية العربية، التي لم تعترف يوماً بتداول السلطة، التي تعد أحد أهم مرتكزات الديموقراطية الغربية، كما أنه يتماشى مع عقلية عباس الذي لم يأل جهداً في إقصاء مخالفيه منذ وصولهم إلى المجلس التشريعي، وإن جلبتهم الشرعية الفلسطينية ذاتها!
ولكن المحزن في الأمر أن هذا الموقف الرافض لمبدأ تداول السلطة، لا يقف عند السياسيين الذين ذاقوا حلاوة إغراء السلطة وحدهم، وإنما يتعداهم إلى بعض الكتاب والمثقفين الذين يقفون في الخندق نفسه المتعارض مع أسس ومبادئ الديموقراطية التي يتشدقون بها، متناسين أن «الأيام دول»، وأنه لو أخذ بهذا المنطق لما وصل أوباما إلى البيت الأبيض، ولكان من حق بوش أن يلجأ إلى تأويلات قانونية وأن يصدر قرارات رئاسية تسمح لنفسه بالبقاء في السلطة!
* حقوقي دولي
"الحياة"




















