المستقبل – الاثنين 26 كانون الثاني 2009 – العدد 3201 – رأي و فكر – صفحة 19
حتى الأمس، لم يكن باراك أوباما قد كشف لنا بعد ما الذي يعتقده بشأن الحرب على غزة. صحيح أنه أعرب قبل أداء القسم عن قلقه من معاناة المدنيين في الجانبين، إلا أنه دعم أيضا حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها.
هذه الضبابية دفعت حكومة إسرائيل إلى الإنسحاب من القطاع قبل تسلم أوباما منصبه كرئيس جديد، وكأن الأمر بمثابة بادرة إيجابية وتعبير عن رغبة صديق حقيقي بعدم الإثقال زيادة عن اللزوم على بداية عهد الرئيس.
لكن أمس الأول، في خطاب القسم الذي ألقاه، كشف أوباما بعضا من رؤيته الكونية فيما يتعلق باستخدام القوة من قبل الدول لغرض الدفاع عن النفس. ولم يكن ما قاله واردا في سياق الحرب في غزة أو مشكلة الصراع في الشرق الأوسط، وإنما في سياق التاريخ الأميركي، إلا أنه رغم ذلك يكشف عن طريقة التفكير التي يجب أن تثير قلق جزء من صناع القرار الأمني في إسرائيل على الأقل.
وهذا ما قاله أوباما: "تذكروا أن الأجيال السابقة تغلبت على الفاشية والشيوعية ليس فقط بالصواريخ والدبابات وإنما عبر التحالفات الصلبة والمعاهدات الثابتة. لقد أدركوا أن قوتنا وحدها لا تستطيع أن تدافع عنا، بل أنها لا تمنحنا الحق بالقيام بما يحلو لنا. لقد علموا أن قوتنا تنمو كنتيجة لاستخدامها العاقل والحذر، وأن أمننا ينبع من عدالتنا ومن قدرتنا على أن نكون نمودجا ومن مزايا التواضع وضبط النفس". هذه ليست من نوع الأقوال التي كان رئيس أركان إسرائيلي سيكتبها في أمر اليوم عشية شن حرب، باستثناء ربما المقطع الذي يتحدث عن عدالتنا. وينبغي أن نؤكد أن الإقتباس مجتزأ وأن أوباما كان بعيدا عن تقديم نفسه كمناصر ساذج للسلام. فهو في الخطاب نفسه يعلن: "إلى كل الذين يريدون أن يحققوا أهدافهم عبر ممارسة الإرهاب وقتل المدنيين نقول إن روحنا قوية ولا يمكنكم أن تكسروها؛ لن تتمكنوا من مواجهتنا وسوف نهزمكم". لكنه في الوقت نفسه توجه "للزعماء (في العالم الإسلامي)، الذين يريدون زرع المواجهات، أو الذين يتهمون الغرب بأمراض مجتمعاتهم" معلنا "أنتم موجودون في الجانب الخطأ من التاريخ، لكننا سنمد لكم اليد إذا كنتم مستعدين بسط قبضتكم".
الزعماء والدبلوماسييون الإسرائيليون، الذين كانوا يتمنون فوز جون ماكين في الإنتخابات، قفزوا إلى قطار أوباما قبل أشهر. وقد أعلنوا، وهم الآن يجددون إعلانهم، أن أوباما هو صديق حقيقي لإسرائيل، وذلك بناء على الكثير من تصريحاته خلال الحملة الإنتخابية والمحادثات الشخصية. لكن، علينا أن نقتبس جملة من قاموس بيل كلينتون ونسأل: "عرّفوا الصداقة".
لا شك أن أوباما يرى نفسه صديقا لإسرائيل. وكما أعلن أكثر من مرة، فإن إيران نووية لن تكون مقبولة لدى إدارته، وحماس ستواصل كونها منظمة إرهابية في نظر الرئيس طالما لم تبتعد عن الإرهاب وتعترف بإسرائيل وتوافق على الإتفاقيات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. لكن في الوقت نفسه، يمكن الافتراض أن أوباما يرى في مشاريع على شاكلة "الرصاص المصهور" عمليات من النوع الذي لا تمتلك فيه الدول السيادية الحق بتنفيذها بفعل قوتها. هذا لا يعني، بالطبع، أن أوباما سيوقف في الشهر القادم المساعدة العسكرية لإسرائيل، أو يعطي مجلس الأمن الضوء الأخضر للإنقضاض عليها. هذا يعني أن أوباما سوف يدفع إسرائيل باتجاه مبادرات سلام ناشطة، مع شركاء مخلصين، مثل السلطة الفلسطينية، وسط تشجيع كبير لها لتقديم تنازلات سبق أن أعلنت موافقتها على القيام بها لكنها لم تمتلك أبدا الجرأة على تنفيذها، وكل ذلك في محاولة لمنع "الرصاص المسكوب 2".
وهذا يعني أيضا أن رئيس الحكومة القادم لن يتمكن من الإتصال بأوباما وإنزاله من على المنصة ليقول له ماذا عليه أن يفعل.
("غلوبس" 22/1/2009)




















