حسان حيدر
تتكثف الدعوات في العالم العربي وخارجه الى ملاحقة المسؤولين الاسرائيليين في الحكومة والجيش امام القضاء الدولي، بسبب جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية التي شهدتها الحملة العسكرية الاخيرة على قطاع غزة، وتستفيد هذه الدعوات مما يمكن اعتباره ملامح انقلاب في الرأي العام العالمي ضد الاستثناء الذي تتمتع به الدولة العبرية منذ تأسست قبل ستين عاما، فيما شهد العالم تحركاً حازماً ضد حالات مماثلة، على غرار ما حصل ويحصل في محاكمة مجرمي الحرب في رواندا والبوسنة.
ولعل ابرز دليل على هذا التغيير في الرأي العام الدولي حجم التظاهرات التي جرت في عواصم اوروبية ضد العدوان الاسرائيلي على غزة، والنسبة المرتفعة لمشاركة السكان «الاصليين» فيه، اي من غير الجاليات العربية والاسلامية، والشعارات التي رفعت خلالها وعكست مطالبة بحد أدنى بديهي من حقوق الانسان، صار بالنسبة الى اي مواطن اوروبي أمراً خارج النقاش، وتكرس ذلك في الانتقادات التي وُجهت الى التلفزيون البريطاني (بي بي سي) لرفضه بث دعوة للتبرع لغزة، والتي جاءت في معظمها من البريطانيين انفسهم.
وجاءت زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الى القطاع المنكوب ومطالبته بإجراء تحقيق دولي مستقل في الانتهاكات بعدما قصف الطيران الاسرائيلي مراكز «الاونروا» ومدارسها، لتزيد قلق اسرائيل من جدية التحرك وانعكاساته المستقبلية، وهو ما عزاه خبراء الدعاية فيها الى تراجع صورة «المحرقة» في اذهان شبان العالم وخصوصا الاوروبيين الذين عانوا طويلا من عقدة ذنب تجاه اليهود. ويقول هؤلاء الخبراء ان الجيل الثالث من الشبان الاوروبيين منذ الحرب العالمية الثانية، لم يعد يشعر نفسه معنياً فعلاً بما ارتكبه النازيون خلالها، ويرغب في تطبيق المعايير الانسانية نفسها في كل مكان في العالم من دون استثناءات، وهو ما عكسه بشكل خاص استطلاع للرأي في المانيا نفسها أظهر ان حوالي 60 في المئة من شبانها لا يشعرون بأي التزام خاص تجاه اسرائيل.
غير ان الدعوات العربية لمحاسبة الاسرائيليين وفقاً للمعايير الدولية وفي أطر دولية، يجب ان تأخذ في الاعتبار انها تخاطب رأياً عاماً عالمياً يعترف بإسرائيل وبحقها في الوجود والدفاع عن نفسها ويُحمّل جزءاً كبيراً من المسؤولية عن استمرار النزاع في الشرق الاوسط الى الجانب العربي عموما، وتفاصيله المتشددة خصوصا، وان تلحظ بوضوح ان «عدوى» حقوق الانسان لم تصل بعد الى الجمهور الاميركي الذي يبقى الداعم الرئيسي لاسرائيل ويؤثر على قرارات حكوماته المتعاقبة في هذا الخصوص والتزامها بأمن اسرائيل. ذلك ان اي مقاربة للمسألة تتغاضى عن هذا المعطى ستؤدي الى خسارة القضية قبل ان تبدأ، وتظهر اصحاب الحق كأنهم يسعون لثأر بلا حدود ولا ضوابط يتجاوز الحيز الجغرافي والزمني لحرب غزة ليتحول الى «صراع وجود» مع اسرائيل.
ولعل الخطوة الاولى التي يمكن البدء بها السعي لدى الادارة الاميركية الجديدة التي اعلنت رغبتها في انتهاج سياسة مختلفة في الشرق الاوسط، كي «تتساهل» مع إجراء تحقيق دولي في الانتهاكات الاسرائيلية، تمهيداً لإفهام الدولة العبرية بأنه حان الوقت للتخلي عن مفهوم الردع القائم على انزال اقصى الخسائر الممكنة بالمدنيين لإحراج العسكريين والسياسيين ودفعهم الى تنازلات.




















