الحياة – 29/01/09//
كلما ارتفع صوت في الفضاء العام العربي داعياً الى إعمال النظر النقدي حين تقييم اختيارات وممارسات حركة «حماس» وتقصي حدود مسؤوليتها عما آلت إليه الأمور في غزة المدمرة بعد الحرب الإسرائيلية عليها، ارتفعت في وجهه حناجر وأقلام منتجي سرديات المقاومة والممانعة من سياسيين وكتاب مخونةً دوافعه ومسفهةً أفكاره الموسومة من دون تردد بالتخاذل. توظف في هذا السياق، وعلى تنوع صياغات المقاومين اللغوية بين الانفعالي والهادئ واختلاف طروحاتهم بين رديء اختزالي يكتفي بثنائية الحق – الباطل، ومتماسك يستدعي انتقائياً بعض شواهد التاريخ وحقائق الواقع الراهن للتدليل الإقناعي وإقامة البرهان العقلي على صواب فعل «حماس» المقاوم، مقولات ثلاث يتعين التوقف عندها بالشرح والتفنيد إذا أردنا فهم كيفية عمل سرديات المقاومة ورغبنا في الاشتباك البناء مع منتجيها من خلال حوار رشيد يتوخى الصالح العام.
ترتبط المقولة الأولى بنزع الشرعية عن التساؤل حول دور «حماس» من خلال اختياراتها الاستراتيجية وممارساتها على الأرض في الزج بغزة إلى لحظة الدمار الهائل التي مثلتها الحرب من خلال التشديد الأحادي على تحميل إسرائيل كقوة احتلال غاشمة متعطشة دوماً لدماء الفلسطينيين ولتصفية قضيتهم كامل المسؤولية. يتفرع عن المقولة الأم هذه تفصيلان مهمان: أحدهما يبرئ «حماس» من شبهة إعطاء ذريعة لتل أبيب لشن الحرب بعد رفض تجديد العمل بالتهدئة وإطلاق الصواريخ، مستنداً إلى أن اسرائيل لم تعدم الذرائع للقيام بأعمالها العدوانية وإلى كون الحرب قد أعد لها منذ فترة ليست بالوجيزة ولأهداف محددة هي إزاحة «حماس» كعقبة كبرى أمام تمرير مشروع تسوية مجحف بحقوق الفلسطينيين واستعادة قدرة الردع الإسرائيلية بعد حرب تموز (يوليو) 2006 ورفع أسهم قادة حكومة كاديما – العمل الحالية قبل الانتخابات التشريعية المقبلة. أما التفصيل الآخر فيشدد دعاته على صحة قيام «حماس» بإنهاء التهدئة بعد أن تكررت الخروقات الإسرائيلية لها واستمر الحصار الظالم المفروض على أهل غزة، وإلى أن انهاء التهدئة لم يكن سوى تفعيل مشروع لحق مقاومة المحتل. لست هنا في صدد البحث عن تبريرات لحرب إسرائيل الوحشية على غزة، ولا شك عندي في الرجاحة الجزئية للدفوع السالفة، بيد أن الإشكالية المنهجية التي تطرحها تتعلق بوضعها مجتمعة في سياق يهمّش المكون الإرادي في تفسير الحدث السياسي وصيرورته ويعتمد قراءة أحادية جوهرها حتمية تستقر بعيداً عن شواهد التاريخ القريب المناقضة لها وتغض الطرف عن بعض حقائق الواقع الراهن التي قد تلقي على الحدث أضواءً مغايرةً. ما الحرب على غزة إذاً سوى تنفيذ لمخطط جاهز دوماً ومعد سلفاً لقتل الفلسطينيين وتصفية «حماس» ولا رابط فعلياً بينها وبين إنهاء التهدئة أو التهديدات الأمنية التي يمثلها لتل أبيب إطلاق الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية في الجنوب. كذلك لم يكن قبول حكومة أولمرت للتهدئة في 2008 إلا مناورة لإعداد العدة لشن الحرب وانتظاراً للحظة دولية مواتية (الفراغ السياسي في الولايات المتحدة بين إدارة راحلة وأخرى قادمة) ولا يجوز أن يقرأ باعتباره توجهاً براغماتياً للبحث عن توافقات الحد الأدنى مع حركة مقاومة أرهقت اسرائيل وبشأن قطاع ليست إسرائيل قادرة على أو راغبة في الاحتفاظ به. بعبارة بديلة، فُرضت الحرب كحدث محتم الوقوع على حركة «حماس» وهي في اختياراتها وممارساتها بل قراءتها لمصالحها في سياق الصراع مع السلطة الفلسطينية والرغبة في الاستئثار بحكم غزة منزهة عن شبهة الدفع نحوها ومن ثم لا تتحمل مسؤوليتها.
تتأسس على إعفاء «حماس» من كامل المسؤولية باسم حتمية خارج التاريخ مقولة مركزية ثانية فحواها مطالبة منتجي سرديات المقاومة والممانعة بالتخلي عن اعتيادية التفكير العقلاني وتعطيل مقتضياته حين النظر في مقدمات الحرب وتداعياتها الوخيمة. يسفه انتقاد البعض لـ «حماس» لكونها، على رغم ادراكها لفوارق القوة الهائلة بينها وبين الآلة العسكرية الإسرائيلية وما قد يعنيه ذلك لغزة وسكانها المدنيين، لم تعمل على تجنب الحرب على أنها شطط لا يلتفت أصحابه إلى حقيقة أن الحرب كانت واقعة لا محالة، وتخاذل لا يرقى إلى قدسية فعل مقاومة المحتل بغض النظر عن جبروته (وهو ما يعد اختلافاً جذرياً عن الخطاب السياسي لـ «حزب الله» الذي يشير دوماً إلى أهمية الاعتماد على العقل والتخطيط والتنظيم والتدريب والتسليح لتطوير «المقاومة العالمة العاقلة»). ومن يعود إلى الوراء ليدفع بأن إقدام الحركة على السيطرة منفردة على القطاع وتصفية وجود السلطة الفلسطينية به شكل كارثةً غلبت منطق اللادولة على حلم الدولة في إدارة كفاح الفلسطينيين من أجل التحرر الوطني، ومكنت إسرائيل من إقناع الغرب بأن غزة ليست إلا أرضاً للخارجين على القانون، يقابل بعاصفة من الازدراء لا يتذكر مطلقوها من شواهد التاريخ القريب سوى تقرير مجلة «فانيتي فير» ومؤامرة محمد دحلان، وكيف أن «حماس» استبقت تصفيةً بتصفية. أما أولئك الذين يذهبون إلى أن «حماس» لم تتوقف طويلاً في حساباتها قبل الحرب عند الخسائر المتوقع إلحاقها بالمدنيين، وأن خطاب الحركة العلني أثناء الحرب استهان بهذه الخسائر وسلب سكان غزة الحق في الاختيار بتعامله معهم جمعياً على أنهم «شعب للمقاومة» وعليهم التسليم برجاحة فعلها وتحمل تبعاته بالصمود من دون نقد أو امتعاض، فيصنفون كمتواطئين مع إسرائيل يبررون لها وحشيتها ويماهون بين الجلاد والضحية بالتجرؤ على النظر في حدود مسؤولية حماس عما حل بغزة من موت ودمار.
ثم تأتي أخيراً مقولة ثالثة تكتسي رداء عقلانية زائفة وخطيرة تتعالى أصوات مروجيها وتعتبر اي انتقاد لـ «حماس بينما دماء الشهداء تسيل في شوارع غزة خروجاً على الإجماع الديني والقومي والوطني وترفاً فكرياً لا يستحق حسب الأكثر هدوءاً بين منتجي سرديات المقاومة والممانعة إلا التأجيل. يتمثل مناط الخطر هنا في فرض وتعميم حال استثناء ذات مضامين شمولية تسلب الناظر حين مقاربة «حماس» الحق في إعمال عقله بحرية والتعبير الصريح عن قناعاته بحجة إسكاتية بائسة عانى منها العرب مراراً، جوهرها أن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». هي إذاً، وبعد شهادة الإعفاء من كامل المسؤولية المقدمة لـ «حماس» باسم الحتمية والخروج عن اعتيادية التفكير العقلاني في معرض تقييم اختياراتها وممارساتها، دعوة تعطيلية من نوع آخر تطال هذه المرة مفردات النظر الديموقراطي وفي موقع القلب منه الحرية الفكرية والحق في الاختلاف.
* أكاديمي مصري




















