"المستقبل"
ملامح التغيير في السياسة الخارجية الأميركية، وإلى حد ما في الداخل الأميركي، ظهرت منذ خطاب التنصيب الرئاسي لباراك حسين أوباما.
أفكار جديدة قد تفتح صفحة جديدة في الفكر السياسي والاقتصادي الأميركي، وتعيد للولايات المتحدة الأميركية وجهها الحقوقي والديموقراطي والإنساني، كما سعى الآباء المؤسسون الذين تحدث عنهم الرئيس أوباما.
من أبرز هذه الأفكار:
"جئنا لنقول إن الوعود الكاذبة والعقائد البالية ولّت بعدما خنقت سياستنا لوقت طويل.. والوقت حان لإعادة تأكيد روحنا الصامدة، واختيارنا تاريخاً أفضل، والمضي قدماً بكنزنا الثمين وفكرتنا النبيلة، والتي تم حملها من جيل إلى جيل: الوعد الممنوح من الخالق بأننا جميعاً متساوون وأحرار، ونستحق السعادة بكل مقاييسها".
هناك انتقاد واضح للوعود الكاذبة، والعقائد البالية، وفي هذا انتقاد لفكر المحافظين الجدد، وسياسة الحروب الاستباقية.. وهناك تركيز على فكرة المساواة التي ظلت حلماً يراود الملونين في أميركا، وهي بلا شك حلم إنساني قديم جديد منذ أن بزغ فجر الفكر السياسي مع نشأة المجتمع السياسي الأول.
يتابع الرئيس أوباما:
"اقتصادنا ضعيف بسبب طمع بعضهم، وعدم مسؤوليتهم، وأيضاً بسبب فشل جماعي لاتخاذ قرارات صعبة، وتحضير أمتنا لعصر جديد…". مَن هو هذا (البعض)؟
إنهم المسؤولون عن الأزمة الاقتصادية والمالية التي بدأت في الولايات المتحدة، وراحت تعمّ العالم. أما الطمع وعدم المسؤولية فإنهما في مواجهة الرقابة والشفافية اللتين صارتا مطلباً عالمياً ودولياً. وفي هذا القول وعد بدخول عصر جديد.
ومن الأفكار المهمة كذلك، رفض المساومة أو المقايضة بين الأمن والمبادئ. لقد تراجعت المبادئ، وبينها الديموقراطية وحقوق الإنسان، لصالح الأمن، تحت عنوان مكافحة الإرهاب. هذا ما حفل به العهد الثاني للرئيس السابق جورج بوش.
يقول أوباما في هذا الصدد:
"أما في ما يتعلق بالدفاع المشترك، فإننا نرفض الخيار الخاطئ بين أمننا ومبادئنا.. إن آباءنا المؤسّسين، وفي مواجهة عوائق ضخمة، وضعوا الوثيقة التي تضمن حكم القانون وحقوق الإنسان.. والتي ما زالت تضيء العالم، ولن نتخلى عنها بحكم المقايضة.. أقول لكل الشعوب والحكومات التي تشاهدنا اليوم، من أكبر العواصم إلى القرية الصغيرة حيث مسقط رأس والدي (كينيا)، إن أميركا صديقة كل دولة، وكل رجل وامرأة وولد يبحث عن مستقبل السلام والكرامة، ونحن مستعدون للقيادة من جديد..".
هذا خطاب يستعيد مجد أميركا، بالاستناد إلى دور الآباء المؤسسين، وإلى وعد السلام العالمي الآتي، حيث يشدد الرئيس الجديد على أن الانتصار الأميركي على الفاشية والنازية والشيوعية كان بفعل الأفكار، ولم يكن نتيجة حروب الدبابات والطائرات!
إلى ذلك، يخاطب أوباما العالم الإسلامي بكلام جدير بالدراسة والتأمل، فيقول:
"نبحث عن سبيل جديد للمضي قدماً يرتكز على مصلحتنا المشتركة والاحترام المتبادل.. وإلى القيادات حول العالم التي تزرع الفتنة أو إلقاء اللوم على الغرب، فليعرفوا أن شعبهم سيحاكمهم على ما يستطيعون بناءه وليس هدمه.. أما هؤلاء الذين يتمسكون بالسلطة من خلال الفساد والخداع فهم في الجهة الخاطئة من التاريخ، ونحن نمدّ يدنا إليهم إذا شاؤوا بسط قبضتهم.. ليس في وسع أميركا والعالم المتقدم تجاهل المعاناة والمأساة خارج حدودنا، فالعالم تغيّر ونحن يجب أن نتغيّر معه".
هذه دعوة أكيدة للتغيير، وعودة إلى شعار الحملة الانتخابية للحزب الديموقراطي. وهذا خطاب تصالحي مع العالم الإسلامي، إنما من خلال رفض الفتنة أو الإرهاب، ورفض الفساد والخداع.. أما مواجهة الفقر فهي مسؤولية أميركية، وإسلامية، وعالمية. وفي الوقت عينه يلوّح الرئيس الأميركي إلى دور الشعب في محاكمة حكامه الفاسدين الذين تعوّدوا الهدم، ولم يتمكنوا من البناء..
كيف سيتعامل العالم الإسلامي، وفي قلبه العالم العربي، مع هذا الخطاب الرئاسي؟
أفضل ما يمكن القيام به أن نحترم نحن العرب أنفسنا، من خلال احترام مبادئنا، والالتزام بأهداف إنسانية نبيلة، قبل أن نلوم الولايات المتحدة، أو نسعى للالتحاق بها.




















