كان يقول مواطن دمشقي لصديقه:
– هل رأيت في الفترة الأخيرة محطة الدنيا الفضائية؟
– لا. لم أشاهدها. وهل يوجد في سورية محطة اسمها الدنيا غير فضائية الحكومة الرسمية؟
– طبعا. هي محطة خاصة ويمكن أن تقول أنها غير خاصة، فهي تقوم بتسريب بعض الأخبار والمواقف السياسية التي لا تستطيع المحطة السورية الرسمية إعلانها لأسباب دبلوماسية. لكن موضوعنا الآن يتعلق بمسألة أخرى، فهذه المحطة أخذت تقلد أخيراً محطة (العربية) وغيرها من الفضائيات، التي تظهر قبل نشرات الأخبار شريطاً يرى فيه المشاهد صوراً لبعض العواصم والمدن العالمية المشهورة. والملفت في الموضوع أنها تستخدم في هذا الشريط صورة فندق "الفور سيزن" ذي الخمس نجوم رمزاً لمدينة دمشق، الذي يعتبر الآن من أجمل وأهم الفنادق في المنطقة العربية؟
قال الصديق:
– ولكن هل نسيت يا صاحبي أن دمشق هي عاصمة الثقافة العربية لهذا العام؟
– لا، لم أنس. ولكن صارت لدي قناعة بأن إعلامنا، حتى لو كان إعلاما خاصاً، فهو بشكل أو بآخر يخضع لأوامر السلطة، وغير عادل على الإطلاق، فيتعامل مع الأشياء مثلما يقول المثل(خيار وفقوس). ففي دمشق هنالك العشرات إن لم نقل المئات من المواقع التي تفخر بها دمشق يمكن إبرازها وعرضها للناس في الداخل والخارج، مثل سور دمشق القديمة وأبوابها، الشارع المستقيم، القلعة وأبراجها الستة عشر، سوق الحميدية التاريخي، أعمدة وأوابد المعبد الروماني جوبيتر الذي تحول إلى كنيسة يوحنا المعمدان وفيما بعد إلى الجامع الأموي الكبير، ولا ننسى بطبيعة الحال المساجد والكنائس التاريخية..
– لقد نسيت يا صاحبي مسألة أكثر أهمية بالنسبة لإعلامنا. وفي الواقع لا يوجد فرق بينه وبين بائع الخضار والفواكه، الذي يعمل دائماً على توجيه بضاعته، فيظهر على "وجه السحارة"المليح منها، وفي الأسفل السيء والفاسد.
– في هذا السياق ما الذي جعلك تخلط بين الإعلام والصحف والإذاعة والتلفزيون وبائع الخضار؟
أجاب الصديق:
– إن دمشق الحقيقية في يومنا هذا لا نراها على الإطلاق في التلفزيون، ولا يعرف العالم عنها كثيراً ولا يعرف حتى الكثير من مواطنينا الدمشقيين. ولقد سمعت أن أهالي حي "عش الوَرْوَرْ" الواقع في شمال غرب المدينة، وكذلك أهالي"حي كشكول" الواقع في جنوبها الشرقي، و"وادي الرز المجاور لتجمع دمر"، و"حي تشرين" وحي"الست وثمانين" و"الحجر الأسود" والقزاز، و أهالي العشرات من أحياء البؤس الأخرى المحيطة بدمشق، غاضبون من الإعلام السوري والفضائيات السورية، لأنها لم تأخذ يوماً صوراً ومشاهد لأحيائهم لتعرِّف عليها المواطنين السوريين الآخرين والعالم، وخاصة أن سكان أحيائهم يشكلون أكثرية سكان المدينة!!
– هذا صحيح، إن إعلامنا غير عادل فلا يصور إلا الزاهي واللماع من "دمشق الحديثة"، ولا يعرض إلا الرخام ويخفي السخامَ دائماً! إنني لم أشاهد مرة واحدة أن الفضائية السورية الرسمية، أو حتى المحطات الخاصة، الدنيا،الشام،الفيحاء… قد عرضت صورة واحدة للسوق الشعبي الذي يطلقون عليه في دمشق" سوق الحرامية" الذي يحتل الطريق الواصل بين طريقي الغوطة الرئيسيين (طريق الكباس).
هنا قال الصديق:
– في الواقع، بالنسبة إلى "سوق الحرامية" الذي تتكلم عليه، فهو يصلح لأن يعتمد مؤشراً دقيقاً لتحديد درجة ارتفاع مستوى الفقر في دمشق. فمنذ حوالي الأسبوعين مررت من هناك، رأيت أن فعالياته في هذا العام، أكثر من السنة الماضية بحوالي ثلاثة أضعاف، فالبائعون والزبائن أكثر والتنويعة أوسع، وحتى كلاب الطبقة الراقية الضائعة والمسروقة صارت تباع هناك، وفي هذا العام يبدو أن الفواكه والخضار من الدرجة الخامسة أو السادسة قد انضمت إلى تنويعة السلع المباعة، ولا تنسى غنائم حاويات القمامة فجزء منها يصل إلى هذا السوق، ولم يبق من الطريق سوى فسحة ضيقة للسيارات التي صارت تجد صعوبة كبيرة في سيرها من مفرق الكباس إلى مدخل جرمانا.
– على سيرة مستويات الفقر، لماذا نذهب بعيداً فإعلامنا لم يتكلم، لا من قريب ولا من بعيد، على موسم المحل والقحط والفقر والجوع الذي حلَّ بمحافظات المنطقة الشرقية الثلاث في العام الماضي، ولا على الأوضاع الاجتماعية المزرية التي نجمت عن هذه السنة العجفاء، ولا عن هجرة أهالي المنطقة المنكوبة إلى باقي المحافظات والمدن السورية والبلدان العربية والأجنبية…
هنا انخرط الصديق بقوة في الحديث قائلاً:
– الم تسمع آخر خبر عن إعلامنا؟ فلقد تلقى في الفترة الأخيرةً تعليمات وأوامر صارمة من السلطة، بعدم الكلام والكتابة نهائياً على تأثيرات وذيول الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد السوري، والاكتفاء بالقول (أن اقتصادنا متين وبخير وبأمان، وهو محصن ضد أي تأثير للأزمة المالية العالمية عليه). ويقال أن حتى بعض الاقتصاديين من أحزاب (الجبهة الوطنية التقدمية) لم يتجرئوا على الكلام حول تأثيرات هذه الأزمة على اقتصادنا حتى داخل الهيئات في أحزابهم.
هنا أنهى المواطن الدمشقي كلامه قائلاً لصديقه:
– من الناحية الشكلية هذا صحيح. ويبدو أن أكبر مثال على أن (الأزمة العالمية لم تؤثر على اقتصادنا) هو النفط، فقد انخفضت أسعاره في الأسواق العالمية إلى أقل من النصف، في الوقت الذي حافظت أسعار المازوت والبنزين والغاز في سورية على حالها دون أي تبديل أو تغيير!! وكما يقول المثل يا جبل ما يهزك ريح. فكل الأشياء في سورية تصعد وتهبط إلا أسعار السلع فحركتها مستقيمة، صاعدة، مقاومة، ممانعة، أحادية الاتجاه لا تعرف الانحناء ولا الرجوع أبداً!……
قال الصديق:
– لكن قوة الحقائق وخاصة في عصر الأنترنت تخترق السدود الإعلامية مهما كانت منيعة، وآخر الأخبار تقول أن شركة سيرياتل سوف تسرِّح من ملاكها خلال الأشهر الثلاثة القادمة حوالي 300 موظف، ولا نعرف العدد في الأشهر الأخرى…. والخبر الآخر يقول أن تهريب المازوت بين سوريا ولبنان صار يجري أخيراَ وفق معادلة معكوسة، فهو يهرب من لبنان إلى سورية، وذلك لأن سعر برميل النفط العالمي انخفض من 147 دولاراً إلى ثلاث وثلاثين بفارق 114$؟؟!!
++++++++++++++++++++++++++++++++
نشرة الرأي
كانون الأول2008 – كانون الثاني2009
العددان 82-83




















